بعد سنوات من الاستجابات السيئة من سياسات البنوك المركزية وعدم إقدام السياسيين على إجراء الإصلاحات الكافية يعيش العالم ما يمكن تسميته النموذج الاقتصادي الأولي، وتتمحور السيناريوهات المستقبلية كافة في تقرير «الاقتصاد العالمي الأولي» حول عامل واحد لا غير؛ إنه وجهة الدولار الأميركي، حسبما يرى ستين جاكوبسن، كبير الاقتصاديين ورئيس شؤون المعلومات في ساكسو بنك.
ديون
فقد ارتفع إجمالي المديونية العالمية/الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 17% منذ الأزمة المالية الكبيرة، أي أننا أمام ديون جديدة بقيمة 57.000 مليار دولار، وأغلبها محسوبة بالدولار وتعزى بشكل رئيسي إلى الأسواق الناشئة، بما فيها الصين.
وأدّت حركة البيع القوية التي شهدتها الأسواق الناشئة إلى نشوء إقبال كبير على جمع الهوامش المتعلقة بالمديونية الأميركية؛ حيث هبطت عملات الأسواق الناشئة بنسب تتراوح ما بين 20% و30% و40% (و50% في بعض الحالات)، لذا ارتفع عبء الديون رغم أن السياسة التشغيلية المتبّعة للاستجابة لهذا الواقع تقوم على فكرة «جني أرباح أخفض لفترات أطول».
خفض
وأقدمت الأسواق الناشئة على خفض استثماراتها ونفقاتها الرأسمالية نظراً للصعوبات القاسية التي تواجهها في سداد الديون، وتضمّن ذلك تقليص طلبات التصدير لصالح جهات عالمية مهمة في أوروبا والولايات المتحدة. ولم يقتصر تأثير ارتفاع سعر الدولار على تصعيب سداد الديون فحسب، بل تسبّبت علاقته العكسية مع أسعار السلع أيضاً بخفض سعر النفط والمعادن والسلع الزراعية، مما حوّل «الوفورات الكبيرة» للصين والسعودية والنرويج والمكسيك والبرازيل إلى عجوزات.
أما التأثير الصافي لانخفاض المخزونات العالمية المعاد تدويرها، فقد تجسّد على شكل رفع تكاليف رأس المال بمقدار 100 نقطة أساس في أخفض درجات الاستثمار، و700 نقطة أساس بالنسبة للجهات ذات التصنيفات المنخفضة للغاية.
منشورات أكاديمية
وقد دفعت هذه الحالة الناجمة عن انخفاض الأرباح بالمنشورات الأكاديمية إلى اعتماد خفض عام بمقدار 100 نقطة أساس خلال هذه الدورة؛ أي تم خفض الأرباح وتكاليف رأس المال بمقدار 100 نقطة أساس قياساً بما ستكون عليه دون إعادة التدوير. وستؤدي هذه العملية إلى استمرار ارتفاع التكاليف الهامشية لرأس المال، سواء مع أو دون قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة خلال ديسمبر.
الظروف الحالية
إذاً «اللعبة» الآن كما يلي: في ظل الظروف الحالية التي تتسم بارتفاع المديونية وما ينجم عن ذلك من انخفاض في النمو، فإن صانعي السياسات (البنوك المركزية) يعمدون إلى خفض تكاليف رأس المال بهدف «تعويم» قيم الأصول؛ حيث إن الأرباح المنخفضة من شأنها رفع قيمة الأصول، مما يؤدي بالتالي إلى «إعادة توازن» العالم بشكل سحري! ولكن المشكلة بالطبع هي أن هذا النموذج يقوم بالكامل على الضمانات، ولكن قيمة الضمانات بدورها لا تستند فقط إلى سعرها الحالي، وإنما إلى جودتها أيضاً.
ومن المفيد أن نطرح السؤال التالي: هل تؤدي هذه الحالة إلى رفع أم خفض «الجودة»؟ إنها تؤدي إلى خفضها بالتأكيد، وذلك حتى قبل تأكيد بنك الاحتياطي الفيدرالي لخطوته الهادفة إلى رفع أسعار الفائدة!
إن ما نتعامل معه هنا هو عبارة عن اقتصاد أولي للغاية، فلا أحد يستطيع تحمّل تبعات ارتفاع قيمة الدولار بما أن هذا الأمر يسفر عن خفض النمو المستقبلي، والوفورات الإضافية، وأسعار السلع، والإنتاجية، وهو ما يحدث خلال فترة نوشك فيها على أن نشهد تغيّرات مهمة في النماذج المتبعة، وهي كالتالي:
• إن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يجد نفسه الآن مضطراً لرفع أسعار الفائدة: من المرجّح بنسبة 60% أن يكون شهر ديسمبر تاريخ بدء عملية رفع أسعار الفائدة، والتي ستعلن انتهاء مرحلة التسهيل النقدي المستمرة منذ 7 سنوات.
• تؤدي «الوفورات غير المفيدة» العالمية إلى كبح حوافز المصرف المركزي الأوروبي وبنك اليابان.
• تتعرض جودة الأصول لهجوم بفعل التضخم/الانكماش وارتفاع قيمة الدولار، ولا تزال أسعار السلع بالقرب من قيعانها القائمة منذ عقود عدة (أعلى بالنسبة للدولار). كما أن قيمة الأرباح المطلوبة لسداد الديون وسعر الديون ذاتها يسيران في اتجاه معاكس لقيمة ضمان «الأصول»، وهو أمر بديهي جداً!
هذه كانت التوجهات النقدية، ولكن تجدر أيضاً الإشارة إلى حقيقة أن بنك الاحتياطي الفيدرالي- وكذلك بنك اليابان بالتأكيد- بدآ يغيّران رأيهما في ما يخص مفهوم «أرباح أخفض لفترة أطول».
المسار الأقل صعوبة
تميل السوق إلى انتهاج المسار الأقل صعوبة مع مرور الوقت، غير أن دورة الأعمال – والثقل الاقتصادي- تم تعليقها أخيراً لمدة دورة كاملة بسبب سياسة «أرباح أقل لفترة أطول». وأخيراً يبدو أن السياسات غير الناجحة قد أسفرت عن ظهور نموذج اقتصادي أولي للغاية لا يسمح لأي كان بالاستفادة من ارتفاع قيمة الدولار، وبالتالي سيكون انخفاض قيمة الدولار المسار الأقل صعوبة للجميع.
ولحسن الحظ، هناك احتمال واقعي لانخفاض الدولار، والسبب في ذلك لا يعزى فقط إلى المنحى التاريخي لانخفاض الدولار بالتزامن مع المراحل الأولى من دورات رفع أسعار الفائدة، وإنما أيضاً إلى جميع الحالات المشروحة أعلاه، ولعل أكثر الجوانب إثارةً للاهتمام في هذا الموضوع هو أن الولايات المتحدة سيكون عليها تشارك القيادة العالمية مع الصين؛ حيث تكمن نقطة قوة الولايات المتحدة في احتضانها لأكبر وأعمق أسواق رأس المال، بينما تنبع قوة الصين من وفوراتها الضخمة ومعدلات نموّها المرتفعة.
