أكد محللون أن أي خروج محتمل لليونان من منطقة اليورو ستنجم عنه عواقب وخيمة على العالم بأكمله نظراً لارتباط ذلك بالعديد من التداعيات الاقتصادية والسياسية. فعلى المستوى الاقتصادي تتأثر الأسواق في مختلف أنحاء العالمي بما يجري في أي جزء نظراً للترابط المصرفي والمالي.

كما أن اليونان تحديداً تشكل تحدياً من نوع آخر بالنسبة لأوروبا والعالم؛ فهي في الغالب البوابة التي يعبر عبرها العديد من اللاجئين والفارين من مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا، وبالتالي فإن أي خلل اقتصادي سيضعف من قدرة البلد على مقاومة مد الهجرة غير الشرعية. وتقف أزمة الديون على رأس أربع أزمات كبرى تهدد طموحات الوحدة الأوروبية.

ووفقاً لمحللين فإن المخاطر تحدق بوحدة الاتحاد الأوروبي وتضامنه ومكانته الدولية من أزمات الديون اليونانية والدور الروسي في أوكرانيا ومواصلة محاولات بريطانيا لتعديل علاقاتها مع أوروبا والهجرة عبر المتوسط، كلها أمور تثقل كاهل الوحدة. وسيؤدي الفشل في التصدي لأي من هذه الأزمات على نحو كاف إلى تدهور الأزمات الأخرى بما يضخم المخاطر التي يجابهها المشروع الأوروبي.

تحدٍّ كبير

وأكثر التحديات إلحاحاً في الوقت الحالي هو تخلف اليونان عن سداد ديون وخطر خروج أثينا من نظام العملة الأوروبية الموحدة. وكتب فابيان زوليج وجانيس ايمانويليديس في تحليل لمركز السياسات الاوروبية: ما سيتمخض عنه خروج اليونان من العملة الموحدة في الأجل الأطول سيكون له أثره على المشروع الاوروبي ككل. وسيمثل سابقة وسيؤدي إلى إضعاف مبررات وجود الاتحاد الاوروبي ذاته.

ورغم أن اليونان لا تمثل سوى 2% من الناتج الاقتصادي لمنطقة اليورو وسكان الاتحاد الاوروبي فإن إفلاس الدولة - بعد خطتين للانقاذ أقرضها فيهما شركاؤها في الاتحاد الاوروبي ما يقرب من 200 مليار يورو (220 مليار دولار) - يمثل لطمة هائلة لمكانة الاتحاد.

خدعة

رغم أن مصير أثينا غير مؤكد فقد أظهرت المشكلة اليونانية أن مؤسسي اليورو كانوا مخدوعين عندما أعلنوا أن العملة الموحدة رابطة لا تنفصم عراها. والآن ربما يحاول شركاء اليونان صفق الباب وراءها وأخذ خطوات سريعة لتوثيق الصلات بين الأعضاء الباقين وربما إصلاح بعض الأخطاء الأولية في الوحدة النقدية، وذلك رغم أن المعارضة الألمانية ستحول على الأرجح دون أي تحركات صوب الإصدار المشترك للسندات الحكومية. ففي المرة التالية التي يحدث فيها ركود أو يهز فيها ارتفاع عوائد السندات السيادية منطقة اليورو ستتذكر الأسواق السابقة اليونانية.

عدم استقرار

وبخلاف المعاناة التي سيتسبب فيها الانهيار الاقتصادي لليونان وضياع المليارات من أموال دافعي الضرائب في أوروبا، من الممكن أن يؤدي هذا الانهيار إلى تفاقم الأزمات الثلاث الأخرى التي تواجهها أوروبا ويزعزع استقرار منطقة جنوب البلقان الهشة.

ونظراً لزيادة التوترات في شرق البحر المتوسط بسبب الحرب الأهلية في سوريا والصراع الاسرائيلي الفلسطيني واستمرار انقسام قبرص والنزاعات على حقول الغاز البحرية فمن المحتمل أن تلجأ اليونان إلى روسيا طلباً للعون. وفي المقابل قد تستخدم أثينا حق النقض (الفيتو) داخل الاتحاد الأوروبي للاعتراض على تمديد العقوبات على موسكو بل إنها ربما تعرض على روسيا تسهيلات بحرية كانت ذات يوم للولايات المتحدة.

ومن شأن الفشل في تسوية أزمة ديون اليونان بعد خمس سنوات من المشاحنات أن يجعل الاتحاد الاوروبي يبدو ضعيفا في عيون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ وآخرين يتطلعون لتوسيع نطاق نفوذهم. ويسلم مسؤولو الاتحاد الاوروبي بأن أزمة منطقة اليورو تسببت في إعادة اتخاذ القرار على المستوى المحلي في بعض السياسات وأضعفت «القوة الناعمة» للنموذج الاوروبي. وأوهن ذلك نفوذ الاتحاد الاوروبي في مفاوضات التجارة العالمية والتغير المناخي.

ومن المحتمل أن يكون الأسوأ لم يحدث بعد. فمطلب بريطانيا بإعادة التفاوض على شروط العضوية في الاتحاد الاوروبي وطرح المسألة في استفتاء لا تعرف نتائجه بحلول عام 2017 يثير خطر فقد الاتحاد الاوروبي ثاني أكبر اقتصاد فيه ومركز مالي رئيس وأقوى قوة عسكرية مشتركة.

أزمة الودائع

ومع تفاقم أزمة الودائع تسعى اليونان للتوصل مع سويسرا الى اتفاق يعفي من الضرائب مواطنيها الذين يودعون أموالهم بطريقة غير شرعية في مصارف هذا البلد، في محاولة لزيادة عائدات البلاد. واقترحت الحكومة اليونانية إعفاءً ضريبياً على هؤلاء الذين يودعون أموالهم بطريقة غير شرعية في سويسرا، مقابل سداد غرامة بنسبة 21 % على مجموع

وتعهدت الحكومة التي يقودها حزب سيريزا من اليسار الراديكالي بمواجهة التهريب الضريبي الذي يؤذي اقتصاد اليونان الهش. وتتفاوت المبالغ التي يودعها اليونانيون في المصارف السويسرية بشكل كبير، إذ تتراوح بين مليارين و200 مليار يورو. وأجرت اليونان وسويسرا جولات عدة من المحادثات حول كيفية التعامل مع الأرصدة غير القانونية.

وأكد متحدث باسم وزارة المالية السويسرية أن أثينا تقدمت باقتراح جديد، دون مزيد من التفاصيل. وسويسرا الشهيرة بنظام السرية المصرفية لديها اضطرت إلى تعديله بضغوط من الخارج لتسهيل ملاحقة عمليات الاحتيال، كما سيدخل نظام تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية حيز التنفيذ عام 2018.

عواقب سلبية

حذر وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير من العواقب السلبية لخروج اليونان من منطقة اليورو على سمعة الاتحاد الأوروبي.

وقال في تصريحات لصحيفة «تاجس شبيجل أم زونتاج» الألمانية الأسبوعية في عددها الصادر أمس: حتى لو استطعنا التغلب على مثل هذا التطور على صعيد السياسة المالية والنقدية، ستكون الإشارة الناتجة عن خروج اليونان من منطقة اليورو والمرسلة للدول خارج الاتحاد الأوروبي سيئة للغاية.

خسارة كبيرة

قال وزير الخارجية الألماني أن كلاً من الصين والهند والولايات المتحدة الأميركية يراقبون بدقة ما إذا كان الأوروبيون سيتغلبون على هذه الأزمة أم أنهم سيخفقون في مواجهة التحدي. وتابع الوزير الألماني أنه في حالة خروج اليونان من منطقة اليورو، سيؤدي ذلك إلى خسارة أوروبا سمعتها في أجزاء من العالم وفقدانها مصداقيتها أيضا. وفي الوقت ذاته انتقد شتاينماير الحكومة اليونانية، وأشار إلى أن هناك مزيجاً من قلة الخبرة والأيديولوجية والخطاب المتطرف، دفعت بهم الحكومة اليونانية المفاوضات إلى طريق مسدود.

 وأكد أنه يتعين على اليونان البحث عن سبيل مع شركائها للخروج من هذه الأزمة على نحو لا يزيد العبء على عاتق أوروبا والدول الأعضاء بمجموعة اليورو.