حذر البنك المركزي اليوناني أمس من فشل المفاوضات بين أثينا ودائنيها حول مواصلة تمويل هذا البلد معتبراً أن ذلك سيؤدي إلى تعثر اليونان في السداد وخروجها من منطقة اليورو و«على الأرجح» من الاتحاد الأوروبي.
ورأى البنك المركزي في تقريره السنوي حول اقتصاد البلاد الذي نشر الأربعاء أن «العجز عن التوصل إلى اتفاق سيكون بداية طريق اليم سيقود أولاً إلى تخلف اليونان عن السداد وفي نهاية المطاف إلى خروج البلاد من منطقة اليورو وعلى الأرجح من الاتحاد الأوروبي».
وفي تقرير أخذ طابعاً سياسياً بالنسبة لهذه المؤسسة النقدية، اعتبر البنك المركزي أن التوصل إلى اتفاق بين اليونان والجهات الدائنة هو «واجب تاريخي»، مشيراً إلى أنه لا يزال «هناك مسافة قصيرة» نحو تسوية.
ودعا الطرفين إلى إبداء مرونة، طالباً من الحكومة اليونانية أن تعترف أن خفض أهداف فائض الموازنة الأولي الذي وافق عليه الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي يعطيها «الوقت اللازم لتصحيح الموازنة وبعض الحرية الإضافية في سياسة الموازنة» ومن الجهات الدائنة «التأكيد مجدداً وتحديد بشكل واضح رغبتها» في منح اليونان تخفيفاً لدينها العام «كما كان مرتقباً» في 2012.
ومنذ أسابيع تجري مفاوضات بين أثينا والجهات الدائنة (صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي) حول سلسلة إصلاحات اقتصادية من شأنها أن تتيح صرف شريحة جديدة من القروض التي تحتاجها البلاد بشدة.
وفشلت جولة جديدة من المفاوضات بالرغم من الوضع المالي الخطير الذي تواجهه أثينا، حيث يترتب عليها دفع أجور موظفي الدولة ومعاشات المتقاعدين وتسديد حوالى 1.6 مليار يورو مستحقة لصندوق النقد الدولي بحلول 30 يونيو.
صندوق النقد
وبدأ صندوق النقد الدولي يصعد النبرة في موضوع ديون اليونان وقد أكد علناً على مطالبه في هذا الملف سواء لأثينا أو للأوروبيين ولو أدى ذلك إلى وصمه بالتصلب.
وكان صندوق النقد الدولي يترك حتى الآن شركاءه الأوروبيين يعلنون بارتياح عن «محادثات بناءة» مع أثينا حول مجموعة الإصلاحات المطلوبة منها لقاء حصولها على دفعة من القروض الجديدة بقيمة 7.2 مليارات يورو.
لكن مع تعاقب الاجتماعات في بروكسل من دون التوصل إلى نتيجة، قرر صندوق النقد الدولي تبديل لهجته بعدما سئمت مديرته كريستين لاغارد تردد أوروبا وموقف اليونان الرافض.
ودعا رئيس قسم الاقتصاد في الصندوق اوليفييه بلانشار الأوروبيين إلى اتخاذ «قرارات صعبة» بالموافقة على تخفيف أعباء الدين لليونان وصولاً ربما إلى وضع خطة مساعدة جديدة، وهي حلول سيجد قادة منطقة اليورو صعوبة في تسويقها لدى ناخبيهم.
وصدر أول موقف متشدد من المتحدث باسم الصندوق غيري رايس المعروف بنبرته الهادئة عادة، إذ تحدث عن «خلافات كبرى» مع أثينا حول معاشات التقاعد والضرائب، النقطتين اللتين تتعثر عندهما المحادثات، وأكد «ما زلنا بعيدين عن التوصل إلى اتفاق».
وهذا الموقف المتصلب الذي كان يبقى حتى الآن محصوراً داخل الاجتماعات الدولية المغلقة من غير أن يظهر إلى العلن، لم يساهم في تحسين صورة الصندوق في أثينا حيث ندد رئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس الثلاثاء بـ«المسؤولية الجنائية» لهذه المؤسسة.
توترات حادة
كما حرك هذا التشدد توترات حادة مع أوروبا التي وافقت مرغمة تحت إصرار ألمانيا عام 2010 على ضم صندوق النقد الدولي إلى خطة مساعدة اليونان.
وقال النائب الأوروبي الفرنسي الان لاماسور لصحيفة ليزيكو «ارتكبنا خطأ بدعوة صندوق النقد الدولي إلى طاولة المفاوضات. (المستشارة الألمانية) انغيلا ميركل هي التي طلبت ذلك حينها، وكانت مخطئة لأن هذه المشكلة كان ينبغي أن تبقى داخل العائلة الأوروبية».
وكان صندوق النقد الدولي مدركاً حين أخرج مآخذه إلى العلن بأنه سيصبح الهدف الأول للانتقادات غير أنه كان على قناعة في المقابل بأنه لم يعد لديه خيار مع اقتراب استحقاقات مهمة ولا سيما انتهاء خطة المساعدات الأوروبية الحالية لليونان في 30 يونيو.
وقال اندريا مونتينينو الذي مثل إيطاليا في مجلس إدارة الصندوق حتى 2010 متحدثاً لوكالة فرانس برس أن «صندوق النقد الدولي يريد تشديد الضغط على الأوروبيين، فاللعبة تشارف على نهايتها وكل طرف يلعب أوراقه الأخيرة».
ويسم الخلاف حول الدين منذ سنوات العلاقات بين دائني اليونان. وتمكن الأوروبيون خلال اختبار قوة سابق في نهاية 2012 من انتزاع دعم الصندوق واعدين بالقيام بمبادرة بشأن الدين اليوناني عمدوا منذ ذلك الحين إلى إرجائها.
غير أن الوقت بات يضغط بالنسبة لصندوق النقد الدولي ولمصداقيته.
استياء وانتقادات
فالصندوق الذي لا يمكنه نظرياً منح قروض لبلد إلا إذا كان البلد قادراً على تحمل الدين، اضطر إلى تعديل قوانينه لصرف مساعدة قياسية لليونان بلغت مجموع 48 مليار يورو من الوعود، ما أثار انتقادات واستياءً داخل المؤسسة.
وأوضح ديسموند لاكمان المسؤول السابق في قسم أوروبا في صندوق النقد الدولي لوكالة فرانس برس أن «المعاملة الخاصة التي تحظى بها اليونان أثارت خيبة دول ناشئة تعتبر ذلك غير عادل».
ويريد الصندوق اليوم طي الصفحة وهو يطالب بتعهد رسمي من الأوروبيين بتخفيف عبء الدين اليوناني وإلا فهو يهدد بالتوقف عن دفع أي أموال جديدة لهذا البلد.
وينطوي هذا الوضع على خطورة خاصة في وقت تواجه اليونان احتمال التعثر عن الوفاء باستحقاق مهم في 30 يونيو حين يترتب عليها تسديد حوالى 1.5 مليار يورو لصندوق النقد الدولي، الأمر الذي يهدد بالنيل من سمعة المؤسسة.
وقال مونتا نينو وهو باحث في مجلس واشنطن الأطلسي إن «صندوق النقد الدولي قد يكون أول طرف سيخسر أموالاً، وهو يبذل كل ما في وسعه للحفاظ على موارده».
وإلى كل ما سبق يضاف رهان سياسي إذ تصل ولاية كريستين لاغارد على رأس الصندوق إلى نهايتها في يوليو 2016 وسيكون لخاتمة الأزمة اليونانية وزن كبير في حصيلة عملها في حال أرادت الترشح لولاية جديدة.
وقال لاكمان «إذا انهارت اليونان وتعثرت عن سداد مستحقات صندوق النقد الدولي فسيكون ذلك فشلاً هائلاً لها».
واشنطن تنادي بحل وسط
حثت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما اليونان على اتخاذ خطوة «جادة» نحو الوصول إلى حل وسط مع دائنيها الدوليين محذرة من أن الفشل في إبرام اتفاق سيخلق صعوبات للشعب اليوناني.
وأبلغ وزير الخزانة الأميركي جاك ليو رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس أثناء اتصال هاتفي أن الاقتصاد العالمي قد يتضرر أيضاً إذا لم تتمكن أثينا من التوصل لاتفاق مع الدائنين. واشنطن - رويترز
الفرنك السويسري يرتفع كملاذ آمن
ارتفع الفرنك السويسري بشكل عام أمس مسجلاً أعلى مستوياته في أسبوعين مقابل اليورو حيث دفعت المخاوف من تخلف اليونان المثقلة بالديون عن السداد وخروجها من منطقة اليورو المستثمرين صوب الملاذات الآمنة.
ولم تظهر اليونان أي مرونة في مفاوضاتها المتوترة مع الدائنين أمس الأول حيث اتهمهم رئيس وزرائها ألكسيس تسيبراس بمحاولة «إذلال» اليونانيين بمزيد من التقشف.
وارتفع الفرنك السويسري 0.8% مقابل اليورو مسجلاً أعلى مستوى له في أسبوعين عند 1.0404 فرانكات. ومع موجة البيع في السندات اليونانية ينظر المستثمرون إلى الفرنك السويسري كملاذ آمن متشجعين بفائض المعاملات الجارية في سويسرا.
ومقابل الدولار صعد الفرنك بنحو واحد % إلى 0.9234 دولار مسجلاً أعلى مستوياته في شهر.
وتراقب السوق اجتماع البنك الوطني السويسري (البنك المركزي) اليوم الخميس للاستدلال على مدى استعداده لمزيد من التوسع في سياسته النقدية.
وارتفع اليورو 0.3% أمام الدولار الضعيف بشكل عام إلى 1.2382 دولار.
وهبط مؤشر الدولار 0.2% أمام سلة من عملات رئيسية إلى 94.82.
