تزايدت احتمالات إعلان اليونان إفلاسها للمرة الخامسة في تاريخها فقد حذر رئيس مظلة الإنقاذ الأوروبية (إي إس إم)، كلاوس ريغلينغ، من إفلاس محتمل في ظل الأزمة المالية الكبيرة التي تمر بها البلاد. وفي خضم أزمات مالية متكررة على مرّ السنين، أعلنت اليونان عن عجزها عن الإيفاء بالتزامات الديون، وأشهرت إفلاسها أربع مرات خلال أعوام: 1827، 1843، 1893، 1932.

شروط صعبة

وأكد ريغلينغ أنه بدون اتفاق مع الدول المانحة لن تتمكن اليونان من اقتراض أموال جديدة. لكنه أشار إلى أن مظلة الإنقاذ لن تمنح قروضاً إلا عندما يتم تطبيق إصلاحات، تعتبرها أثينا مؤلمة. وأضاف: حتى التخلف عن سداد قسط لصندوق النقد الدولي سيكون خطيراً. وفي الجانب الآخر تبدو المسألة أكثر ضبابية في أثينا ففي حين توشك الأموال على النفاد من خزينة البنك المركزي في ظل الأزمة المالية الطاحنة فإن الحكومة اليونانية تبدي الرغبة أنها تعتزم الوفاء بالتزاماتها بشأن الديون لكنها تحتاج لمساعدة عاجلة حتى تتمكن من أن تفعل ذلك بعد أن أصر بضعة مسؤولين كبار على أن أثينا ليس لديها أموال لدفع قسط من قرض يحين موعد سداده الاسبوع المقبل.

ويتعين على اليونان أن تسدد أربعة قروض قيمتها الإجمالية 1.6 مليار يورو (1.76 مليار دولار) لصندوق النقد الدولي الشهر المقبل بدءاً بقسط قيمته 300 مليون يورو في الخامس من يونيو والذي سيكون اختباراً مهماً لمالية الدولة.

أزمات سابقة

وبعيداً عن حاضر اليونان المظلم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ورغم الآمال الكبيرة المعلقة على حكومة إلكسيس تسيبراس اليسارية، فإن تلك الأزمة التي تعيشها البلاد ليست هي الاولى من نوعها، فبعد الاستقلال عن الحكم العثماني في العام 1823 حصلت اليونان على أول قرض من بريطانيا، بعدها حصلت على قروض أخرى خلال مراحل متتالية. وتكاد تكون أسباب عجز اليونان عن الإيفاء بمستحقات ديونها في المرات السابقة هي نفس الأسباب التي أدت إلى عجز اليونان عن الإيفاء بمستحقات ديونها حالياً، والتي قد تقودها إلى الإعلان الرسمي عن الإفلاس للمرة الخامسة بعد استقلالها.

عثرات مستمرة

وطوال عقود، بقيت العثرات الاقتصادية قضايا داخلية في اليونان، إلى أن أصبحت عضواً في المجموعة الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي وبعدها عضواً في الوحدة النقدية الأوروبية والتي وضع الاتحاد الأوروبي لها شروطاً اقتصادية تلتزم بها الدول الراغبة في دخول منطقة اليورو. إلا أن أزمتها الاقتصادية الأخيرة تبدو أكثر خطورة ووضوحاً من سابقاتها، لأنها تضع عضويتها في الاتحاد الأوروبي على المحك، كما أنها تهدد بتفشي ضائقتها المالية في عدد من دول أوروبا، بحسب «سيناريو الدومينو»، حيث يحذر وزير مالية اليونان يانيس فاروفاكيس من أنها ستكون مسألة وقت حتى ينفرط عقد الاتحاد الأوروبي بالكامل.

ولاتزال أثينا، منذ نحو تسعة شهور، أي قبل وقت طويل من وصول حكومة حزب سيريزا إلى السلطة في يناير الماضي، تترقب تلقي دفعة من المساعدات قدرها 7.2 مليارات يورو، وعدت بها الجهات الدائنة مقابل إجراءات تقشف وسلسلة إصلاحات، لاسيما في سوق العمل، الأمر الذي يجعلها أسيرة وفاء تلك الجهات بالتزاماتها، ويضع عبئاً كبيراً على كاهل حكومة إلكسيس تسيبراس، أملاً في تجاوز الأزمة وفي التوصل إلى اتفاق يتيح البقاء في منطقة اليورو.

عقل أوروبا العريق مثقل بالأزمات

 

بعد إرث حضاري عريق، يعود تاريخه إلى آلاف السنين، ورغم اعتبارها مهد الحضارة الغربية وأرض الفلاسفة، واشتهارها بالآداب والفنون والإدارة، تبدو اليونان اليوم كحصان هزيل مثقل بأزمة اقتصادية خانقة تلقي بظلالها على القارة الأوروبية كافة، بل وتثير مخاوف شعوب تصطف في قائمة الانتظار للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فيما لا يرى الغرب فيها سوى عبء مالي ومحور توتر قابل للانفجار في أي لحظة.

هذا البلد الذي تبلغ مساحته حوالي 130 ألف كيلومتر مربع، اجتمعت فيه كافة مقومات التطور والرقي، بموارده الطبيعية وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، وطبيعته الخلابة حيث يحظى بـ 9841 جزيرة، وتتخلله بحيرات ومرتفعات جبلية تشكل نحو 80 % من مساحة البلاد المطلة على ثلاثة بحار، إيجه والمتوسط والأيوني، ما جعله مركزاً حيوياً للتجارة ووجهة سياحية فريدة، إلا أنه اليوم عاجز عن الوفاء بالتزاماته، ويواجه خطر إعلان إفلاسه.

اليونان، مركز أوروبا الحضاري لآلاف السنين، باتت تتأرجح اليوم بين البقاء في منطقة اليورو أو الخروج منها، بعد أزمة الدين الحكومي التي عصفت بها منذ ربيع العام، والتي تهدد استقرارها على مختلف الأصعدة. فمنذ العام 2012، لم تعد أثينا رمزاً للحياة الرغيدة، بل إنها أسيرة أزمة اليورو وتقشف ميزانيتها وتراجع الأجور وارتفاع الضرائب، فضلاً عن ارتفاع البطالة والفقر.

ولكن من الواضح جلياً أن اليونان، وبحسب وزير داخليتها نيكوس فواستس، لن تتمكن من سداد الأقساط الأربعة بقيمة 1.6 مليار يورو من الديون واجبة السداد لصندوق النقد الدولي والمستحقة في يونيو المقبل، والذي من شأنه أن يؤدي إلى خروجها من الاتحاد النقدي الأوروبي وإسقاط عضويتها.

سيناريو البقاء

رغم ترجيحات البعض بخروج اليونان من منطقة اليورو،فإنه يستحيل التكهّن بخروجها قبل إقرارها أو مناقشتها على الأقل. ويقول الخبير إيان بيغ أن «العامل الثاني الذي سيحول دون خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي، هو أن الأطراف جلّها رافضة لذلك.. وهو ما سيدفع بأثينا من جهة، وبالدول الأوروبية الدائنة من جهة أخرى إلى التوصل إلى اتفاق مبدئي في الأسابيع القليلة المقبلة».