المؤكد في كرة ثلج أسعار النفط "الذهب الأسود" المتدحرجة، أنها بسرعتها وبمدى هبوطها، جاءت هدية ثمينة لأميركا. لكن التفسيرات والقراءات الكثيرة تتراوح بين الغموض والتضارب والتعليلات غير الجازمة.
درجة التراجع كانت مفاجئة وخارج دائرة التوقعات، لم يكن في حسبان أي من المراقبين والخبراء أن ينخفض السعر بهذه النسبة وفي غضون أسابيع. صحيح أنه منذ فترة والتكهنات تتحدث عن انخفاض محتمل بفعل تزايد الإنتاج الأميركي. لكن ليس بهذا القدر، ولا بهذه الوتيرة المتسارعة على الأقل في هذه الظروف الملتهبة في الشرق الأوسط. فاستقرار الوضع النفطي ارتبط تقليدياً بالوضع الأمني فيه. والمفترض في هذا الوقت غير المستقر أمنياً في المنطقة، أن تتماسك الأسعار لا أن تتهاوى نحو نصف ما كانت عليه قبل خمسة أشهر فقط.
يذكر المعنيون بشؤون النفط ثلاث أسباب رئيسة وراء الهبوط: التخمة في العرض الفائض عن الطلب بحوالي 2 مليون برميل يومياً. ارتفاع الناتج النفطي الأميركي، بحيث صار الثاني بعد السعودية. وثالثاً، خمول الاقتصاد العالمي.
مع غزارة الزيوت الصخرية، صار إنتاج الولايات المتحدة يقارب 9 ملايين برميل في اليوم. التقديرات أن يصل إلى 10 ملايين مع 2020، كان 5 ملايين في 2008، بذلك صار إنتاجها يوازي حوالي نصف حاجتها الاستهلاكية. فارق لا شك ترك تأثيره في مؤشر السوق. يضاف إلى ذلك زيادة الإنتاج الليبي، ولو بكميات طفيفة، والإنتاج العراقي. وقد يزيد الفائض، حسب هذه الحسابات، لو حصل اتفاق نووي وعادت إيران إلى سابق إنتاجها.
لكن كل هذه الزيادة في حجمها الراهن، من الصعب أن تفسّر تراجع الأسعار بهذا الشكل الحاد. فالأرقام لا تبدو متناسقة. يقال إن العرض يفيض عن الطلب بحوالي مليوني برميل يومياً. الهبوط وصل إلى أكثر من 40 %. هل وجود فائض بهذا القدر يؤدي إلى تدحرج بهذه السرعة؟ وثمة من يتحدث عن تدني قد يستمر إلى الربع الأول من العام القادم، قبل أن يستقر على سعر ربما وصل إلى 40 دولاراً، قبل أن يعود إلى الاستقرار، حسب بعض التوقعات. فيما تشير قراءات أخرى إلى عودة تتراوح بين 70 و75 دولاراً خلال عام 2015.
بطء النمو
الأرقام مضطربة بقدر ما هي تشخيصات الأسباب، التي يضاف إليها «بطء النمو» الاقتصادي العالمي: أوروبا في ركود جديد، وربما مديد، اليابان تتعثر في الخروج من ركودها الطويل، والصين بدأ اقتصادها يؤشر إلى تراجع في معدلات نموه. والبعض يقول ربما أنه يؤشر إلى وجود «فقاقيع» في بعض قطاعاته. لكن الانكماش الاقتصادي الراهن لا يعادل ولا يقارب انهيار 2008. يومذاك كان من المفهوم أن تسقط الأسعار.
لكن أن تصل اليوم إلى تخوم ما وصلت إليه في ذلك الحين، أمر يزيد من الارتباك في تعيين العوامل الفعلية الكامنة وراء هذا الانحدار الذي لا تستثني المضاربات من بينها ولا الاعتبارات السياسية، على ما يقول أحد العارفين بدهاليز سوق النفط.
وإذا كانت هذه الجوانب غير واضحة كفاية، فإن التقديرات بشأن المضاعفات لا تقل عن ذلك في التباسها. منها ما يرى أن انخفاض أسعار الطاقة من شأنه أن يؤدي إلى زيادة حجم الاقتصاد العالمي بنسبة تتراوح بين 0,5 % وبين 1 %، وبما يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط، وبالتالي إلى انتعاش الأسعار من جديد. خاصة وأن ضعف الأسعار سيحمل شركات النفط الكبرى على خفض استثماراتها في التنقيب عن مصادر جديدة، كما من شأنه أن يحمل على صرف النظر، وحتى إشعار آخر، عن المضي في مشاريع استخراج النفط الرملي العالي الكلفة في كندا. وربما يطال ذلك قطاع الزيوت الصخرية التي لا تقوى على التوسع إلا إذا بقيت الأسعار بين 50 و70 دولاراً للبرميل.
أبرز المتضررين
من جهة ثانية، أعرب اقتصاديون عن تشاؤمهم، إذ رأوا في نزول الأسعار «نذير شؤم»، كونه يترافق مع الهبوط الاقتصادي العالمي. وبذلك فإن المسألة ليست عابرة، وستكون روسيا وإيران وفنزويلا، وربما المكسيك، من أكثر المتضررين، لأنها تعول على إيرادات النفط في القسم الأكبر من موازناتها.
وإذا كان هناك إجماع على نقطة، فهي أن أميركا الرابح الأكبر من هذا التراجع. وفرها اليومي أكثر من نصف مليار دولار. ومعظم القراءات تتوقع أن يؤدي ذلك إلى شحن الاقتصاد الأميركي بدفعة ملحوظة من الزخم..
الأجوبة المفقودة
يبقى السؤال المطروح: إلى أين وإلى متى؟ الأجوبة مفقودة. ما زالت في إطار التخمينات المبنية على السوابق، والتي تفيد بأن الهبوط اقترب من قاعه، وأن عملية التصحيح لا بدّ أنها قادمة. ثمة من يقول في غضون ثلاثة أشهر، أو ستة أشهر أو أكثر. الصورة غير واضحة، لأن العوامل متداخلة، النفطي منها وغير النفطي.
