تدهور بورصة نيويورك في جلسة الأربعاء، كان له وقع الصدمة. لكنه لم يكن مفاجئاً. الرقم الذي بلغه 460 نقطة سلبية، قبل أن يسترجع صعوده ويخفف خسائره، نادر في تاريخ المداولات إلا في الأزمات، أو عشية الهزات والانهيارات الكبيرة.

لكن الهبوط لم يحصل بدون مقدمات. أتى في سياق تنازل تدريجي، بدأ في سبتمبر الماضي وتلاحقت حلقاته حيث وصلت إلى ذروتها الأربعاء. فخلال الأسابيع الأربعة الماضية خسر السوق أكثر من 7% من قيمته، أي ما يعادل 2 تريليون دولار حسب التقديرات.

مبلغ لا بدّ وأن ينعكس سلباً على حركة الاقتصاد الأميركي وفي وقت حساس، إذ تأتي هذه الخسارة على عتبة أعياد أواخر العام التي تشهد الأسواق خلالها حالة من الانتعاش يعطيها شحنة من الزخم ولعدة اشهر.

اجتهادات وقراءات

ومثل كل مرة في حالات الاهتزاز العنيف من هذا النوع، تتدفق الاجتهادات والقراءات للمسببات والتداعيات والتوقعات على المديين القريب والمنظور.

عموماً جاءت التحليلات متوافقة في تشخيص العوامل التي دفعت في هذا الاتجاه. على رأسها أن البورصة شهدت فترة طويلة نسبياً ، منذ 2011، من الصعود ومراكمة الأرباح الهائلة من دون أي تراجع تصحيحي.

وبالتالي آن الأوان لحصول مثل هذا النوع من المراجعة وردّ الأمور إلى دائرة المعقولية، إذ لا يمكن أن يبقى المنحى البياني لأسعار الأسهم في خطه الصاعد. التعديل هو من طبيعة العملية. اسعار الأسهم الأميركية، يقول الخبراء، تعاني من التورّم الزائد.

فهي لا تتناسب مع وضع الاقتصاد ومستوى نموه في حالته الراهنة. ثم هناك التردي الاقتصادي العالمي.

وتجري الإشارة في هذا الصدد إلى تباطؤ النمو الصيني الذي يتضافر مع مراوحة طويلة للركود الياباني والتعثر الأوروبي المرشح لركود أعمق واطول؛ إضافة إلى التخبط الاقتصـادي البرازيلـــي.

وحتى الاقتصاد الأميركي رغم دخوله طور التعافي، ما زال عاجزاً عن تحقيق نمو يزيد على 3.3 – 3.5 %.

الاحتياطي الفدرالي

ويضاف إلى العوامل السابقة أن الاحتياطي الفيدرالي – البنك المركزي – سبق وقرر وقف برنامج التحفيز هذا الشهر. والمعروف أنه منذ الأزمة المالية وهو ، أي البنك ، يشتري صكوكا وسندات بمقدار 85 مليار دولار شهرياً، نزلت إلى 65 مؤخراً، كأداة لضخ سيولة من شأنها تحفيز الحركة الاقتصادية.

رافق ذلك خفض فائدة البنك إلى حدود الصفر. اعتزام البنك على وقف برنامج التحفيز وربما رفع سعر الفائدة في وقت مبكر من العام القادم، ترك مخاوف من احتمال العودة إلى التعثر وبما ساهم في وضع الأسهم على خط الهبوط .

وثمة من يضيف إلى هذه العوامل الاقتصادية، عناصر أخرى ساعدت في الهرولة نحو البيع؛ على رأسها « داعش » وحروبها المفتوحة و« إيبولا » وما قد تبلغه أكلافها وإرباكها لعمليات الانتاج والتسويق والتبادل التجاري.

غياب رصد المؤشرات

ما دعا البعض إلى ابداء التخوف هو أن الجهات الرسمية المعنية والبنك المركزي فاتهم رصد المؤشرات المسبقة التي كان من المفترض قراءتها والتحوط لها. وكانت هذه الجهات قد فشلت في استباق أزمة 2008 والتقاط مؤشراتها في الوقت المناسب الذي كان يمكنه ان يكفل عدم حصولها.

او على الأقل حصر وتقليص أثارها. وكذلك هناك خشية من أن تؤدي هذه الصدمة إلى انخفاض اسعار السلع وبما يقود إلى نوع من الجمود إن لم يكن العودة إلى حالة الركود في أميركا كما في انحاء العالم.

 ويقول أصحاب هذا التخوف، إن مؤشرات نزول الأسعار بدا في السلع الأساسية ومنها النفط. ولو حصل ذلك فإن «الخروج الذي تحقق من أزمة 2008 يصبح مهدّداً هو الآخر خاصة في اوروبا ».