رغم خروج الاقتصاد العالمي من مرحلة التقشف المالي، لا تزال التساؤلات حول المخاطر التي تتعرض لها صناديق الاستثمار «الأكبر من أن تنهار» تلوح في الأفق بالتزامن مع قيام السلطات التنظيمية للأسواق العالمية باكتشاف مخاطر جديدة تهدد النظام المالي بحسب نيتين مِهتا، المدير التنفيذي لجمعية المحللين الماليين المعتمدين CFA في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.
«الأكبر من أن تنهار»؟
وقال نيتين مِهتا توصف المؤسسات المالية على نطاق واسع بأنها «أكبر من أن تنهار» (TBTF) إذا بلغت أهميتها للنظام المالي درجة تجعل انهيارها يهدد اقتصاد الدول ما يرغم الحكومات على بذل قصارى جهودها لإنقاذها حين تصبح قدرتها على البقاء موضع شك. وعادة ما تكون لتلك المؤسسات علاقات تجارية وتعاقدية متشعبة كثيراً ما تنطوي على أصول أقل سيولة من التزاماتها المالية، كما قد لا تكون حقوق مساهميها كافية لمواجهة الأزمات السوقية الكبرى.
ويعتبر الدعم الذي قدمته الحكومات للبنوك خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة مثالاً على تطبيق ظاهرة (TBTF). من ناحية أخرى وفي الوقت الذي سعت فيه السلطات المنظِّمة للأسواق لاحقاً للتخفيف من تأثير مخاطر (TBTF) على البنوك، راحت تدقق أيضاً في سائر اللاعبين في الأسواق بما فيها صناديق الاستثمار، لمعرفة ما إذا كانت تشكل تهديداً مماثلاً للنظام المالي.
تحصين الصناديق
وأضاف نيتين مِهتا، المدير التنفيذي لجمعية المحللين الماليين المعتمدين أنه عادة ما يعتبر مديرو صناديق الاستثمار معظم الصناديق صغيرة نسبياً مقارنة مع حجم الأسواق وأنها تُدار بأسلوب محافظ قليل الاعتماد على القروض أو لا يعتمد عليها إطلاقاً، وأن المستثمرين هم الذين يتحملون مخاطر الاستثمار لا مديري الصناديق، أي أن أولئك المديرين يعتقدون أنهم يعملون بصفة وكلاء وليس كمسؤولين. وهذا يعني بالتالي أن إدارة الأصول لا تهدد الاستقرار المالي، وأن مخاوف السلطات المالية في هذا الصدد قد لا تكون مبرَّرة.
ورغم اعترافها بوجهة نظر مديري الصناديق إلا أن السلطات التنظيمية تشير إلى قيام عدد من التوجهات في مجال إدارة الأصول بتغيير وجه هذا القطاع ما قد يؤدي إلى نشوء مخاطر تهدد النظام المالي. وترى تلك السلطات أن صناديق الاستثمار بصورة عامة وصناديق التَحَوُّط بصفة خاصة تلجأ بصورة متزايدة للاقتراض لتعزيز عائداتها الاستثمارية المتوقعة.
كما ترى أن العديد من صناديق الاستثمار الجديدة تلجأ لاستبدال أشكال السيولة من خلال خلق مديونيات شبيهة بالمال في عمليات قريبة للصيرفة الموازية مهددة بخطر حدوث موجة سحب ودائع مفاجئة من دون أن تتمتع بحماية البنوك المركزية التي تزود البنوك بالسيولة في مثل تلك الحالات. ويسعى العديد من صناديق الاستثمار التخصصية إلى تحسين أدائها من خلال الاستثمار في أصول أقل سيولة.
وفي الوقت نفسه، تهدد زيادة مخصصات الاستثمار في الصناديق منخفضة التكاليف والتي تواكب مفردات مؤشرات أسهم بعينها ولا تسعى للتفوق على أدائها والتي يتم تداول أسهمها في الأسواق للتعرض لهجمات لسحب ودائع المستثمرين خلال الأزمات. وفي السياق ذاته تؤدي توجُّهات اقتصاديات إدارة الصناديق الاستثمارية إلى التركيز بشكل أكبر على أصول الصناديق العملاقة والصناديق فائقة الضخامة. وحَريٌّ بنا إعارة جميع هذه التوجهات المزيد من الاهتمام.
تنظيم العمل
وأشار المدير التنفيذي لجمعية المحللين الماليين المعتمدين الى أن ألان جرينسبان الرئيس الأسبق لمجلس إدارة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أدلى بمقولة شهيرة حول البنوك ذات مرة حين قال: «إذا كانت المؤسسات المالية أكبر من أن تنهار، فهي أكبر مما يجب». وتمثل الحل الذي طرحه جرينسبان ضمناً في تلك المقولة في عدم السماح للمؤسسات «الأكبر من أن تنهار» أن تصبح أكبر مما يجب.
في المقابل يرى آخرون أن المؤسسات والصناديق الكبيرة تتمتع بمزايا اقتصاديات الحجم الكبير وتتشاطرها مع المستهلكين، وأنه قد يكون من الأفضل بالتالي مراقبة وتنظيم عمل تلك المؤسسات والصناديق بدلاً من تقليص حجمها. إضافة إلى ذلك، قد يتصرف الكثير من تلك المؤسسات والصناديق التي تستخدم نفس الاستراتيجيات والأدوات بصورة جماعية تشبه من خلالها صندوقاً استثمارياً كبيراً وتترك بالتالي نفس الآثار على الاستقرار المالي.
صندوق تحوط
وقال نيتين مِهتا: تشكل قضية صندوق لونج تيرم كابيتال منجمنت (LTCM) عام 1998 مثالاً مثيراً للاهتمام حول كيفية إنقاذ صندوق تحوُّط من قِبَل ائتلاف مصرفي بقيادة بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، لأن الدوائر المالية كانت تعتقد أن هذا الصندوق أكبر من أن يُسمَح له بالانهيار. إذ إنه بينما كانت قيمة أصول الصندوق تناهز 100 مليار دولار كانت قيمة حقوق مساهميه تقل عن 5 مليارات دولار حين تعرَّض إلى هجمة سحوبات.
وخشية انتشار هذه الظاهرة على نطاق واسع وتجميد العمل في بعض الأسواق، تحرك بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بسرعة لتفادي انهيار الصندوق عبر ضخ رأسمال جديد فيه لدعم تصفيته بشكل منتظم. ولا يزال الجدل دائراً حتى اليوم حول ما إذا كانت عملية الإنقاذ تلك ضرورية أو حكيمة.
السلطات التنظيمية
وأوضح المدير التنفيذي لجمعية المحللين الماليين المعتمدين أن مكتب أبحاث الخزانة الأميركية نشر أواخر العام الماضي تقريراً حول العلاقة بين إدارة الأصول والاستقرار المالي، حددت احتمالات تعَرُّض النظام المالي إلى مخاطر جديدة وآليات انتشارها.
وفي وقت سابق من العام الحالي، نشر كل من مجلس الاستقرار المالي والمنظمة الدولية للجان الأوراق المالية (IOSCO) فحوى استشارة حول مقترح لتحديد المؤسسات المالية المهمة غير المصرفية وغير المؤمِّنَة (NBNIs) المعرَّضة للمخاطر.
وشملت الاستشارة برامج الاستثمار الجماعية بما فيها الصناديق المُقفَلَة وصناديق التحوُّط. وسعت الاستشارة إلى معرفة آلية انتشار مخاطر النظام المالي عبر المؤسسات الأخرى أو المبيعات الاضطرارية.
وشمل المحور المقترح للاستشارة تقييم المخاطر النظامية وأهميتها النسبية وحجمها وتركيزها وتعقيدها ومدى تغطيتها العالمية. ورغم أن التركيز ينصب حالياً وبشكل مقصود على الصناديق بصفتها كيانات مهمة، إلا أن شركات إدارة الصناديق قد تصبح موضع اهتمام أكبر لاحقاً.
البدائل المتاحة
قال نيتين مِهتا: يدافع بعض مديري الصناديق عن أنفسهم مشيرين إلى أنه من الأفضل تخفيف آثار المخاطر النظامية المحتملة عبر سياسات تصفية وإفصاح مناسبة حول دعم التمويل بالاقتراض واللجوء إلى المشتقات المالية، ويغطي التوجيه الأوروبي البديل لمديري صناديق الاستثمار (AIFMD) تلك البدائل على سبيل المثال. وفي السياق ذاته تتيح أنظمة المراقبة المطورة تحديد مواطن تمركز المخاطر، ويتوجب بالتالي تطبيق أنظمة مراقبة أكثر فعالية أولاً بدلاً من التفكير بفرض المزيد من الضوابط التنظيمية.
