منذ أزمة 2008 والاقتصاد الأميركي يتكئ على عكازين رئيسيين وفّرهما الاحتياطي الفيدرالي – البنك المركزي – : خفض سعر الفائدة إلى حدود الصفر وشراء سندات خزينة بعشرات مليارات الدولارات شهرياً.
كان اللجوء إليهما بهدف تحفيز الاقتصاد وتمكينه من تجاوز مضاعفات الأزمة وبالتالي وضعه على سكة الدوران الذاتي والنمو. اشترى البنك خلال السنوات الست الماضية سندات بـ 4,4 تريليونات دولار كان من المتوقع أن تكون الحاجة أقل بكثير من هذا المبلغ. لكن تداعيات زلزال 2008 كانت كاسرة استدعت معالجتها كل هذا الدعم. وبالكاد يكفي. قرار الاحتياطي بوقف شراء السندات مع نهاية اكتوبر المقبل ينطلق من التقدير بأن الاقتصاد صار لديه من الزخم ما يسمح بفطامه عن ضخ السيولة في شرايينه.
يستند البنك في ذلك على قراءته للمعطيات الأخيرة. خاصة الاستقرار الواعد لسوق العمل، حيث سجلت الأشهر الخمسة الأخيرة معدل 200 ألف وظيفة شهرياً. في يونيو بلغ 288 الف رقم جديد غير مسبوق في السنوات الأخيرة. والمعروف أن تقليص معدلات البطالة هو المقياس العصب لخروج الاقتصاد الأميركي من حالة التعثر التي يعيشها في أعقاب الركود القاسي الذي فرضته الأزمة.
لكن ما توحي به هذه الخطوة لا يزيد عن تفاؤل متحفظ. صحيح أن الأرقام سمحت به.
لكن هذه الأرقام ذاتها لم تسمح بعد بالتخلي عن الشق الثاني من الدعم غير المباشر، سعر الفائدة باق في حدود 0% وحتى إشعار آخر مفتوح يتراوح بين أوائل وأواسط العام المقبل في احسن الحالات، يعني أن الاقتصاد ما زال بحاجة إلى تحفيز الأكثر مدعاة للتحفظ أن وقف شراء السندات لم يحصل فقط بناء على هبوط معدلات البطالة، بل جاء وفقاً لبعض القراءات نتيجة التخوف من احتمال تزايد نمو فقّاعة مالية. السيولة فائضة والتضخم بدا يطل برأسه، بعد أن بقي اقل من 2% طوال السنتين الأخيرتين. المؤشرات الأخيرة تفيد انه قد يتعدّى هذا الحدّ.
اذا كان البنك المركزي الذي يرصد حركة الوضع الاقتصادي غير متخوف من احتمال الفقاعة لكان، حسب هذه القراءة، اختار الاستمرار في شراء السندات ولغاية التيقّن من بلوغ الاقتصاد محطة الدفع الذاتي. لكنه اتخذ هذه الخطوة كتمهيد لقراره اللاحق برفع سعر الفائدة وبما يتماشى مع النمو الاقتصادي والتوقعات أن يقدم على ذلك أواسط العام المقبل لكن ليس بالتأكيد مع ان هناك مؤشرات مشجعة.
تقلبات الأسهم
أسواق الأسهم والسندات والعملات،« كانت على غير عادة قليلة التقلب في الأشهر الأخيرة » لكن ثمة من يزعم بأن هذه المؤشرات لا تنفي أن الأمور سائرة في هذا اتجاه «الفقاعة » بسبب « وفرة السيولة وتدني سعر الفائدة ».
وغالباً ما تصدر مثل هذه التحذيرات عن الجهات المحافظة خاصة في الكونغرس التي تعادي التحفيز بزعم أنه يزيد من عبء المديونية العامة. لكنها مقاربة كثيراً ما قوبلت بالنقد من جانب مرجعيات اقتصادية مثل بول كروغمان استاذ الاقتصاد في جامعة برنستون والحائز على جائزة نوبل وكذلك لاري سامرز استاذ الاقتصاد في هارفارد.
كلاهما دعا إلى اعتماد سياسة التحفيز والنأي عن سياسة التقشف التي لجأت إليها اليابان سابقا ثم بعض الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة والتي لم تؤدّ إلى الخروج من حالة الركود. بل أطالت من إقامته.
رفع الفائدة
تراهن خطوة وقف برنامج السندات ولاحقاً رفع سعر الفائدة على تحسّن الأداء الاقتصادي، المرهون بدوره على تحسّن سوق العمل. الأرقام الأخيرة تشير في هذا الاتجاه. ولو أن معدل النمو لهذا العام سيبقى في حدود أقل من 2,5%.
لكن هناك عثرة كبيرة. جمود الأجور المتوالي منذ سنوات من شأنه تجويف خفض البطالة. زيادة الأجور بقيت في حدود 3,7% عن العام الماضي. رافق ذلك ارتفاع في الأسعار. خاصة المواد الغذائية: حوالي 3,5% .
يأتي ذلك في وقت « يزداد فيه وسع الهوة بين الأقلية التي تمثل 1% وبين الآخرين » وما نتج عن ذلك من تقلّص لحجم الطبقة الوسطى وقدراتها الشرائية والتي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، وقد حذر توماس بيكاتي من عواقب تزايد هذه الفجوة شاركه في ذلك لاري سامرز الذي دعا إلى وجوب معالجتها والتنبه إلى محاذيرها ومن المعالجات اعتماد سياسات ضرائبية أكثر توازناً ورفع معدلات الأجور وغيرها وهناك أيضاً مسألة «المشتقات» التي كانت واحدا من أهم أسباب أزمة 2008 بسبب عدم ضبطها ومازالت ضوابطها مفقودة حتى الآن، وقد حذر المراقبون من هذا الخطأ الكامن ودعوا إلى وضع الضوابط اللازمة لها.
