ربما لا يكون الاقتصاد العالمي يمر بظروف نمو ممتازة، ولكننا نشهد كل الإشارات التي تدل على تحسنه حتى في روسيا، التي من المحتمل أن تسهم بشكل كبير في هذا على الرغم من احتمال تعرضها لكارثة بسبب الأزمة الأوكرانية.

ويتساءل مادس كويفويد، رئيس استراتيجيات الاقتصاد في بنك ساكسو، هل يعاني الاقتصاد العالمي بحق؟ لعل اضطراب الأسواق الناشئة والبداية السنوية العادية في الولايات المتحدة والصين بصفتهما أكبر اقتصادين في العالم يدل على ذلك، حيث تظهر نظرة فاحصة اقتصاداً عالمياً يؤدي بشكل جيد جداً، مدعوماً من تقليل السحب المالي وتقليص المديونيات في الاقتصادات المتقدمة.

حيث يكمن العبء الأكبر على هذه الاقتصادات لتقود الطريق، بعد أن كانت هي ذاتها القضية في السنوات الحالية ولكن بشرط أن يكون ذلك ضمن خططها، لذا من المتوقع أن يرتفع نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.8 % عما كان عليه في عام 2013 عند 1.7 %.

قوي بما فيه الكفاية

واجه الاقتصاد الروسي الكثير من المعوقات في العام الماضي، جراء أسعار السلع المنخفضة مع وصول إجمالي الناتج المحلي إلى 1.3 %، مقارنة مع 3.4 % في 2012 ووصلت أسعار خام برنت إلى معدل سنوي عند 108.70 دولارات للبرميل مقارنة بأسعار عام 2012 عند،111.60 ما يمثل هبوطاً بمعدل 2.6 % وانخفض مؤشر داو جونز-UBS للسلع بحوالي 7.5 %، أضف على ذلك، نرى خطر انحراف أسعار النفط هبوطاً هذه السنة مع السيناريو الأساسي عند 105 دولارات للبرميل، ما يمثل نظرة مستقبلية واهنة للسلع بشكل عام.

لكن السلع تشكل حكاية واحدة من قصة التباطؤ هذه، إذ عانى الإنفاق الاستهلاكي جنباً إلى جنب مع الاستثمار في السنة الماضية، حيث ساء الميل بسبب الواقع المتمثل بالألعاب الأولمبية التي تقام بعد انتهاء فصل الشتاء واتسم الإنتاج الصناعي بالركود سنة بعد أخرى، بينما تباطأ النمو في الاستهلاك المنزلي إلى أقل من 4 %.

إضافة إلى ذلك، كان الطلب الخارجي ضعيفاً في السنة الماضية بعد أن شهد شركاء التداول الرئيسين، بما فيهم منطقة اليورو، نمواً ضئيلاً بينما تم إحراز تقدم صغير على الإصلاح للحد من الفساد وتعزيز القدرة التنافسية في أجزاء معينة من الاقتصاد.

الاعتماد على السلع

لماذا إذاً يتوقع ارتفاع النمو في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على السلع؟ أولاً، سينخفض الضغط الهابط على السلع ويواجه قطاع الزراعة بالفعل خطر الانقلاب، ثانياً في الوقت الذي يبدو الاستهلاك المحلي فيه مستمراً في الضعف، يجب أن يستفيد الاستثمار من مشاريع الولاية ذات النطاق الواسع.

ثالثاً يجب أن تزداد قوة الطلب الخارجي بسبب حصول التعافي في أوروبا على أرضية صلبة فمن البديهي أن يمثل حجم العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى احتمال تصاعد وتيرة الخلافات بين روسيا والدول الغربية حول أوكرانيا أهم المخاطر الرئيسة، التي تواجه نظرتنا المستقبلية، حيث يوجد ارتباط وثيق بين أوروبا وروسيا في مجال التداول وبشكل خاص تداول الطاقة وبالتالي فنحن ننظر إلى زيادة طفيفة في النمو إلى 1.6 % هذه السنة مقارنة بما كانت عليه عند 1.3 %.

طريق التعافي

شهد اقتصاد الولايات المتـــحدة بداية مخيبة هذه السنة بــسبب التوقعات التي كانت أعلى من اللازم وربما فعل الطقس الرهيب فعله بالنشــاط الاقتــصادي ولكن لا يجب إلقاء اللــوم على الطقس فقط، حيث ألقى كل من تراكم المخزون ونمو الاستثمار الخافت بثقله على النمو بسبب استمراره في الانضباط المالي، ما أدى إلى انخفاض الإنقاق العام لما دون 5.6 % على أساس ربع سنوي في الربع الرابع من العام الماضي.

سوق العمالة

اتسم سوق العمالة ببداية بطيئة في هذه السنة مع وصول صافي فرص العمل الجديدة إلى 129 ألفاً، فقط على أساس ثلاثة أشهر حتى فبراير وبالمقابل، تمت إضافة وظائف غير زراعـــية بعدد لا يقــل عن 194 ألفاً على المعدل الشهري في 2013 وهو أقل بقليل من مستوى الكـــمال خلال التوسع، في حين حافظ معدل البطالة على ميل هبوطي ثابت لغاية نهاية 2013 عند 6.7 % مع ارتفاع التوظيف 1 %، بينما هبطت مشاركة القوى العاملة إلى 62.8 في شهر ديسمبر مقارنة بمعدلها في السنة الماضية عند 63.6.

معدلات الرهن

أدت الزيادات الحادة في معدلات الرهن في ربيع 2013، بإضافة إلى ارتفاع أسعار المنازل إلى استغاثة سوق الإسكان في النصف الثاني من العام نفسه، إذ تراوحت مبيعات المنازل الجديدة بحوالي 415,000 شهرياً في تلك الفترة (على مدار السنة) هابطة من معدلها في الستة أشهر الأولى عند 445,000..

بينما وصل نمو المبيعات السنوي إلى مستوى موحد مقداره زائد 10 %، بعد ما يقارب سنتين وكان نمو مبيعات المنازل الموجودة سلبياً بالكامل بسبب عجزها عن التقدم بسبب تقليص المبيعات المتعثرة وبالنظر بعيداً عن هذه الحقائق، كان أداء الإسكان في الخارج جيداً بما يكفي في عام 2013، حيث ارتفعت مبيعات المنازل الجديدة إلى 16.6 % منذ 2012 واستمرت الأسعار بالاتجاه شمالاً معززةً ميزانيات الأسر.

يمكن للاقتصاد الأميركي أن يتسارع مقترباً من 3 % هذه السنة على خلفية الاستـــهلاك الخاص والاستثمار، وسيساعد الإسكان أيضاً على دفع الاقتصاد إلى الأمام، وإن بدرجة أقل عما كان عليه في السنوات الأخيرة، أضف إلى ذلك، سيكون السحب من القطاع العام قريباً أو مساوياً للصفر حيث شهد القطاع العام في 2013 هبوطاً في الإنفاق بمعدل 2.3 %، مع هبوط الإنفاق الفيدرالي تحت 5.2 %.

البطالة

 

من المستبعد أن تتكرر أرباح معدل البطالة «السهلة» خلال السنوات الحالية على خلفية تضاؤل القوى العاملة وفي الحقيقة، ربما يبقى معدل مشاركة القوى العاملة ثابتاً بشكل أو بآخر خلال السنة، بسبب زيادة فرص العمل وتغذية الرغبة في العودة إلى سوق العمالة وبالتالي، فإن أي هبوط آخر في معدل البطالة سيكون ناتجاً عن نمو العمالة، ويكون أقل صخباً مقارنة بما شهدناه في السنة الماضية.

 

ربيع منطقة اليورو يستمر طوال العام

 

تجري عملية التعافي في منطقة اليورو على قدم وساق مع توقعات بارتفاع النمو إلى 1 % في هذه السنة، بعد الانكماش بمعدل 0.4 % في عام 2013 ولا يزال المستهلكون يشعرون بتضررهم من إجراءات التقشف، لكن تأثير ذلك في الاقتصاد قليل سواء في القطاعين الخاص أو العام.

حيث لا يزال تقليص المديونية بعيد المنال، ما سيؤدي إلى تباطؤ التعافي ليس فقط خلال هذه السنة بل لغاية 2015، لكن من الصعب بمكان أن ننكر تحسن الفرص منذ زمن بعيد، إذ بلغ معدل البطالة ذروته ويجب أن يتقلص بشكل لافت في أواخر العام مع ارتفاع الأجور بالقيمة الحقيقية، وهناك ضغط أقل بصورة ملحوظة على الاقتصادات الهامشية، وبالتالي يجب أن يرتفع إنفاق القطاع العام أسرع من معدل العام الماضي عند 0.4 %.

حيث بقيت وتيرة الإصلاحات الهيكلية غير ملائمة في العديد من الدول الأعضاء بما فيها إيطاليا وفرنسا، لكنها لن تمثل مشكلة على المدى القريب، حيث تأتي الأسواق الهادئة وتحسن بيانات الاقتصاد في الصدارة وبالتالي فمن المتوقع أن يستمر النمو بثبات في حال استمرار المعدل المتواضع عند 0.2 % إلى 0.3 % في الربع الواحد، و1 % لمجمل السنة.

في حين تشكل نوية التضخم الحالية الجارية في منطقة اليورو مرحلة مؤقتة وذات طبيعية هيكلية جزئياً فمع هدوء الضغط المتجه هبوطاً، الذي تفرضه أسعار الطاقة، يجب أن يتسارع في وقت متأخر من السنة من نسبته السنوية عند 0.7 % في فبراير لكن ذلك، على الأرجح، لن يكون كافياً للبنك المركزي الأوروبي الذي التزم باتخاذ المزيد من الخطوات السياسية لتسريع التضخم.