ينمو اقتصاد مملكة البحرين بوتيرة ثابتة وملحوظة ويقدم مثالاً حياً للجهود التنموية المبذولة لتحسين مؤشرات أوضاعها الاقتصادية وشهدت البلاد في غضون فترة قصيرة نسبياً عدة قفزات هائلة عكست تعافيها الاقتصادي ونجاحها في التعاطي مع متطلبات خطط النمو الطموحة التي وضعتها ومشروعات التنمية التي حددتها.. وذلك في وقت تمر فيه كثير من دول العالم بأسوأ أزمة اقتصادية يمكن أن تتعرض لها..

واحتل اقتصاد المملكة المرتبة 12 من بين 177 اقتصاداً في أنحاء العالم والمرتبة الأولى على الدول العشرين الأوائل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك حسب مؤشر الحرية الاقتصادية السنوي الذي تنشره مؤسسة «هيريتاج فاونديشن» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، وهو واحد من التقارير التي تستند إليها تدفقات رأس المال العالمي ناحية دول المنطقة والخليج تحديداً..

كما أن البحرين درجت على الحصول على مراكز متقدمة في تقارير التنمية البشرية طوال السنوات السابقة، والتي تعكس الاهتمام الحكومي بالمورد البشري باعتباره العنصر الحاسم في قوة العمل المحركة للاقتصاد الوطني.

وتبدو مملكة البحرين رغم ما مر بها والمنطقة والعالم من تحديات خلال السنتين الأخيرتين، وقد استعادت موقعها الرائد كمنطقة جاذبة للاستثمارات الخليجية والعربية والدولية واستطاعت بأجوائها الآمنة والمستقرة أن تجتاز وبنجاح تداعيات مرحلة طالت كل دول العالم تقريباً، سواء بسبب الأزمة الاقتصادية الهيكلية للنظام الدولي عموماً أو بسبب التطورات التي تشهدها دول الشرق الأوسط بشكل خاص وترنو في المستقبل المنظور والبعيد أيضاً لبذل مزيد من الجهد من أجل التطوير والبناء، وذلك لتحقيق حلم قيادتها الطموح ورؤيتها المشرقة لعام 2030.

نمو الناتج المحلي

ولعل من بين أبرز البراهين الدالة على هذا التطور وصول معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو خمسة في المائة تقريباً عام 2013 ما يؤكد تضاعف نشاط الاقتصاد الوطني وتحسن أداء قطاعاته المختلفة وعودة البحرين إلى مسارها الطبيعي للتعافي وللنمو في كافة القطاعات وتزايد ثقة المستثمرين بالسوق المحلية بعد عودة الكثير منهم إلى المملكة وضخ رؤوس أموالهم في كافة الاستثمارات والقطاعات الحيوية.

كذلك يشار إلى التقرير الأخير الذي أصدره صندوق النقد الدولي حول اقتصاد المملكة، والذي أشار إلى أن التحسن الحاصل في المؤشرات الاقتصادية الوطنية لا يعود إلى عام 2013 فحسب بقدر ما يعود إلى أعوام سابقة، خاصة منذ انتهاء تداعيات أحداث عام 2011 في إشارة إلى الإجراءات والجهود التي بذلت فور انتهاء هذه الأحداث مباشرة وأدت إلى تحقيق معدلات نمو تراوحت بين 2.1 و4.8 عامي 2011 و2012 على التوالي..

وكفلت تحقيق نتائج إيجابية كثيرة سواء على صعيد تزايد الإنفاق الحكومي باعتباره قاطرة النمو في المملكة أو على صعيد تحسن أداء القطاعات غير النفطية في ظل الاهتمام الذي توليه القيادة الرشيدة لها باعتبارها تجسيداً حقيقياً للمبادرات الفردية والأهلية التي يمكن أن يقودها القطاع الخاص الوطني الذي ينمو ويزدهر بفضل تشجيع القيادة الرشيدة له. وهنا يبدو مهماً تلمس أبرز ملامح التحسن في مؤشرات الوضع الاقتصادي بالمملكة، بالنظر إلى تحليل وتدقيق الأرقام والإحصائيات التالية..

صعود معدلات النمو

الناظر إلى الكتاب السنوي لمجلس التنمية الاقتصادية وتقريره الربع سنوي الصادرين أخيراً، يخلص إلى عدد من المؤشرات تبرز العديد من النجاحات المحققة، حيث خلص هذان التقريران بعد مراجعة وتحليل عميقين للقطاعات الإنتاجية المختلفة بالمملكة إلى أن الاقتصاد الوطني شهد زخماً وتوسعاً ونمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة خمسة في المائة عام 2013 وقدرة على استضافة أكثر من 400 من المؤسسات المالية..

فضلاً عن قيام العديد من الشركات بإنشاء مقرات لها في البحرين خلال العام الماضي. كما ازدادت نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية من 2.5% في الربع الثاني عام 2013 إلى 3.0% في الربع الثالث من العام نفسه، وهو ما يعني تجاوز متوسط النمو العالمي بفضل الأسس الاقتصادية الصلبة التي يقوم عليها ويبشر بمعدلات أفضل لتصل إلى نحو أربعة في المائة في العام الجاري.. إضافة إلى ارتفاع إجمالي العمالة في القطاع الخاص بنسبة 6.2% في الربع الثاني عام 2013.

وكان قد ذهب إلى هذا التحسن أيضاً التقييم الأخير لوكالة فيتش للوضع الائتماني للبحرين وتثبيته عند درجة «بي بي بي» مع استمرار النظرة المستقبلية المستقرة للأوضاع، الأمر الذي أكده كذلك التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي المشار إليه سلفاً..

والذي اعتبر أن الاقتصاد الوطني يشهد تحسناً واضحاً يؤكد متانة قطاعاته المختلفة، لاسيما منها المالي وتجدد ثقة المصارف التجارية في القطاع الخاص.. فضلاً عن الطلب المتزايد على الائتمان ما يعني زيادة السيولة لدى القطاع الخاص..

وكذلك على انتشار رقعة الانتعاش الاقتصادي التي يقودها القطاع الخاص الوطني.

التقارير الاقتصادية

بدا قدر من التحسن في وضع البحرين ضمن التقارير الاقتصادية العالمية، إذ بحسب التقرير السنوي الأخير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» عن الاستثمار العالمي عام 2013.. فإن دول مجلس التعاون ومنها البحرين تمكنت بعد فترة من التراجعات امتدت إلى ثلاث سنوات متتالية من تسجيل ارتفاع طفيف في استقبال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول المنطقة.

توقعات مستقبلية

توقعات الخبراء والمؤشرات لقدرة الاقتصاد البحريني على العودة إلى مساره الطبيعي والنمو والازدهار كثيرة ومتعددة، ومن ذلك: نمو إصدار السجلات التجارية عام 2012 بمختلف القطاعات الاقتصادية بنسبة تراوحت بين 6.5 في المائة إلى 48 في المائة وفقاً للقطاع، هذا بالرغم من قرار وزارة الصناعة والتجارة رفع رسوم الإصدار منتصف العام الماضي، الأمر الذي يؤكد قدرة القطاعات الإنتاجية المختلفة على التحسن في الأداء ونجاح السياسات المالية والنقدية في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وكذلك تأكيد الخبير في بنك «ستاندرد تشارترد»، ماريوس ماراثافتس، الذي توقع نمواً بنسبة خمسة في المائة خلال عام 2014 عازياً ذلك إلى زيادة إنتاج حقل أبوسعفة النفطي عام 2013 بنسبة 4.5 في المائة وانفتاح البحرين على الاقتصادات العالمية، ما يعزز من الثقة في أدائها، وهو ما أكدته أيضاً رئيس مجلس إدارة شركة «ميد بوينت» الشيخة نورة بنت خليفة آل خليفة في تصريح لها، أشارت فيه إلى حدوث تطورات نوعية في الاقتصاد الوطني في عام 2013 سيكون لها مردودها على العام الجاري.