رغم مرور ثلاثة عقود من الإصلاحات التدريجية المتعلقة بالأسواق الصينية، يبقى الاقتصاد الصيني واقعاً تحت سيطرة الحزب الاشتراكي. بعكس السلطات الاقتصادية الأخرى، لا تبذل السلطات الصينية مجهوداً، لتنبؤ الأداء الاقتصادي، لكنها تضع أهدافاً، وإن كانت متساهلة، للنمو الاقتصادي والعوامل التي تؤثر فيه.
ويرى التقرير الأسبوعي من آسيا للاستثمار، الذي يعده المحلل الاقتصادي، فرانسيسكو كينتانا أن المؤشرات الاقتصادية الصينية تلعب دورين، حيث إنها تعكس الوضع الحالي للاقتصاد كما تبين نوايا الحكومة الصينية. ولإدراك التوجه العام للحكومة الصينية، يجب أن يصاحب تحليل الأهداف الصينية دراسة التوجهات السياسية، التي تنتج عن الاجتماعات السياسية المهمة.
وبما أن الأهداف ليست جميعها بنفس الأهمية، تعدل السلطات المسؤولة عن التخطيط من أولوياتها، خلال هذه الاجتماعات لتحسين السياسات التي تخرج بها. وقد جاء آخر هذه الاجتماعات، الذي عقد في يوم الخميس الماضي، بأهداف عام 2014، التي لم تتغير بشكل أساسي عن أهداف عام 2013.
ويبقى أهم أهداف الصين في هذه الفترة هو استدامة النمو. وهذه المهمة حساسة ومعقدة، حيث تطورت خلال 30 عاماً من النمو بعض الاضطرابات على الصعيد المالي والعقاري، وهو ما يجب طرحه وتناوله من أجل ضمان التطور في المستقبل.
معدلات
وقد أدركت قيادة البلاد أن معدلات النمو السابقة غير مستدامة، فبدأت تعمل من أجل الحصول على تباطؤ سلس، ينتج عنه معدل نمو محتمل أقل وأصح.
وقد بقي معدل الناتج المحلي الإجمالي المستهدف ثابتاً، منذ عام 2013 عند مستوى %7.5، وفي العادة توضع معدلات الناتج المحلي الإجمالي المستهدفة عند مستويات متواضعة، يسهل الوصول لها، وفي الواقع، كان الناتج المحلي الإجمالي في العقد الماضي يفوق المعدل المستهدف بكثير، حتى إن الاقتصاديين توقفوا عن استخدام المعدل المستهدف من الحكومة مرجعاً لهم.
لكن خلال العاميين الماضيين، عاود هذا المعدل اكتساب أهميته في ظل التراجع الاقتصادي، حيث أصبح يمثل أقل معدل يمكن أن تقبله السلطات، وفي العام الماضي، بلغ النمو معدل %7.7، وهو أعلى بقليل من المعدل المستهدف، لكنه أقل من توقعات أغلب المحللين.
وفي هذا العام، قد يحدث لأول مرة، أن يطابق معدل النمو الحقيقي المعدل المستهدف، حيث أعلنت القيادة الصينية بشكل صريح عن أنها مستعدة للسماح بمعدل النمو أن ينخفض لأقل من المعدل المستهدف. و
تتشعب الآثار المترتبة على هذا الموقف، ويمكن أن تساعد على تفسير المجموعة الأخيرة من البيانات.
أما المعدل المستهدف لنمو استثمارات الأصول الثابتة فتم تحديده عند %17.5 هذا العام، وهو أقل من معدل العام الماضي البالغ %18، وهذا أيضاً لا يعد مرجعاً دقيقاً سوى لاتجاه النمو، ففي عام 2013، خلال فترة من ضعف النمو العالمي وتباطؤ الصادرات، رفعت الصين مستوى الاستثمار في البنية التحتية عبر الشركات المملوكة للدولة، لتعويض التراجع في الاستثمار في القطاع الخاص، ونتيجة لذلك، نمت الاستثمارات الفعلية بمعدل %19.6.
تغير التركيز
لكن في الاجتماعات الحكومية الأخيرة، تم الاتفاق على تحويل التركيز الاقتصادي من الاستثمار إلى الاستهلاك أصبح أولوية. ولهذا من المتوقع أن ينخفض مستوى نمو الاستثمارات خلال عام 2014، بينما تبقى مبيعات التجزئة، وهي المؤشر الرئيس للاستهلاك، مرنة، ويبلغ المعدل المستهدف لمبيعات التجزئة هذا العام %14.5.
وهو نفس معدل العام الماضي، لكن المعدل الفعلي للعام الماضي لم يصل للمعدل المستهدف، لهذا يمكن استنتاج أن نوايا الحكومة قوية، حيث خفضت من معدل النمو المستهدف للاستثمار بالرغم من أنه تحقق العام الماضي، وأبقت معدل النمو المستهدف لمبيعات التجزئة على الرغم من عدم وصوله للمعدل المستهدف في العام الماضي، ونظراً لهذا السياق، يصبح من الأسهل تفسير بيانات يناير وفبراير المجمعة، التي تم إصدارها يوم الخميس الماضي.
أولا، يشير الارتفاع في استثمارات الأصول الثابتة من 17.1% في ديسمبر إلى 17.9% في أول شهرين إلى عودة الأمور إلى طبيعتها، ولن تنمو الاستثمارات بمعدل %20 في عام 2014، لكن أرقام شهر ديسمبر كانت أقل من المتوسط بكثير، ولن تسمح السلطات الصينية للاستثمارات بالتدهور السريع.
نموذج جديد
يأتي تراجع الإنتاج الصناعي متوافقاً مع النموذج الجديد، حيث ستقل الزيادة في القدرة الإنتاجية. ومع ذلك، من المحتمل أن يتم في وقت لاحق من العام تصحيح التباطؤ في مبيعات التجزئة، حيث انخفضت من 13.6% في ديسمبر إلى 11.8% في يناير وفبراير، وهناك التزام سياسي لتحفيز الاستهلاك، وإذا ما استمر التباطؤ، سيتم اتخاذ تدابير في وقت لاحق هذا العام لعكس هذا الاتجاه.
الهبوط السلس
تجد الصين نفسها ملزمة بالهبوط السلس للاقتصاد، باستخدام الأدوات السياسية الفعالة لتخفيف آثار التراجع، والتبعات الاقتصادية لذلك كبيرة، خصوصاً على مُصدري السلع، الذين زادوا في العقد الماضي بسبب الطلب الصيني، وهذا يشمل دول مجلس التعاون الخليجي التي رأت حاجة الصين الكبيرة للنفط، ما عوضها عن فقدان الطلب من الولايات المتحدة في العقد الماضي، ولن يكون هناك انقطاع مفاجئ للطلب في عام 2014، لكن ينبغي لدول مجلس التعاون أن تتعلم كيف تتعايش مع ضعف الطلب الصيني على مدى السنوات القليلة المقبلة.
