عادة ما تتمتع أسعار الذهب والدولار الأميركي بعلاقة عكسية، حيث يشجع تراجع أسعار الدولار خلال فترة معينة من الزمن ارتفاع أسعار الذهب المقوَّمة بالدولار.
ويقول "دوملوك دا سيلفا"، محلل مالي معتمد وعضو جمعية المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات، إنه إذا ما عدنا بالذاكرة إلى عام 2013، لوجدنا أن أسعار الذهب واصلت تراجعها ذلك العام لتصل إلى مستوى منخفض قياسي بلغ 1180 دولاراً أميركياً للأونصة الواحدة، مقارنة مع الذروة القياسية التي بلغ فيها سعر الأونصة 1900 دولار اعتباراً من منتصف عام 2011.
وجاء ذلك الانخفاض انعكاساً لموجة التخارج الكبيرة التي شهدها قطاع الذهب من قِبَل صناديق العملات التي يتم تداول أسهمها في الأسواق "إي تي إف"، وتحركات التجار في سوق "كومِكس" للعملات.
وبلغ حجم الذهب الذي تخارجت منه صناديق "إي تي إف" عام 2013 أكثر من 800 طن، نظراً لتنامي قلق المستثمرين من المبالغة في الاستثمار بالذهب. بدورها، أدت مضاربات التجار في سوق "كومِكس" إلى انخفاض صافي حيازاتهم طويلة الأمد من الذهب بأكثر من 600 طن.
تساؤل
ومن المشروع التساؤل لماذا هذا التغير المفاجئ في وجهات نظر المستثمرين بخصوص الذهب؟ بدايةً، يمكن القول إن الارتفاع المتواصل للأسعار في أسواق الأسهم الأميركية أقنع الكثير من المستثمرين في صناديق "إي تي إف" التي تتاجر بالذهب بضرورة تغيير استراتيجياتها الاستثمارية.
وعلى عكس التوقعات، ظل معدل التضخم منخفضاً في الولايات المتحدة الأميركية بينما ظل مستقراً في أوروبا. كما أعلنت لجنة الأسواق المفتوحة في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن بدء عملية "تخفيض تدريجي" لحجم التيسير الكمّي الذي يضخه البنك في الأسواق عبر إعادة شراء سندات الخزانة الأميركية، في وقت أقرب ما هو متوقع. وأسهمت هذه العوامل في مواصلة دفع أسعار الذهب للانخفاض بشكل أكبر.
وتشير معطيات أسواق الذهب، إلى أن أسعار الذهب عاودت الانتعاش وتجاوزت المنعطف الخطر الذي بلغته، لترتفع أقل بقليل من نسبة 10% لهذا العام.
إلا أنه يتعين الانتظار ومتابعة تطورات تلك الأسعار للتأكد مما إذا كان هذا الارتفاع السعري مؤقتاً أو ارتفاعاً مستديماً على المدى الطويل. إذ إنه من المحتمل أن يفضي عدد من العوامل غير المنظورة إلى تغير اتجاه الأسعار، وقد يكون من الأفضل بالتالي استعراض عدد من السيناريوهات.
بريق
خطف تزامن قوة أسعار صرف الدولار مع ازدهار أسواق الأسهم الأميركية خلال العامين الماضيين، بريق الذهب بصفته فرصة استثمارية جذابة. وطالما ازدادت قوة أسعار صرف الدولار وواصلت أسواق الأسهم الأميركية تحسنها، نحن لا نتوقع ارتفاعاً كبيراً جديداً لأسعار الذهب التي قد تبلغ ذروة تتراوح بين 1350 و1440 دولاراً للأونصة هذا العام.
ويبدو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مصمم على مواصلة تخفيضه التدريجي لحجم برنامج تيسيره الكمي، وإذا اقتربت نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي الأميركي من 2.8% كما يتوقع بعض الخبراء الاقتصاديين، فقد يتصدر الاقتصاد الأميركي أداء اقتصادات دول مجموعة العشر (جي 10).
وما لم تتدهور أحوال الاقتصاد الأميركي بشكل كبير هذا العام، يبدو أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي مصمم على إنهاء برنامج التيسير الكمي بحلول نهاية العام الحالي. ومن الناحية الفنية، يبدو أن مؤشر أسعار صرف الدولار مقبل على المزيد من التحسن بعد اختباره الناجح وثباته عند مستوى 79.50 نقطة.
وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز قوة الدولار بالتزامن مع قيام الأسواق بإدراج الارتفاع المحتمل في أسعار الفائدة في حساباتها، ما سوف يقلص من جاذبية الذهب كأداة تحَوُّط ضد التضخم. ورغم أن هذا الوضع قد لا يفضي إلى تخارج كبير من الذهب، إلا أنه قد يقلل من احتمالات أي ارتفاع جديد في أسعاره لفترة من الزمن.
تهديد
إلا أن الخطر الأكبر الذي يحيق بأسعار الذهب بصفة خاصة والسلع الأساسية بصورة عامة، يتمثل في احتمال تعرُّض الاقتصاد الصيني لهبوط "قاسِ". وتشير بيانات أداء القطاع الصناعي الصيني في يناير وفبراير المنصرمين إلى تباطؤ النشاط الصناعي الصيني، رغم أن الاقتصاد الصيني لن يتعرض لهزة كبيرة.
لكننا لا يجب أن ننسى أن أي تأثر سلبي لدخل الصينيين سوف يؤثر سلباً بالضرورة على طلب الذهب. وبينما سوف تحصل أسعار الذهب على بعض الدعم إذا استمر تراجع موجة تخارج صناديق "إي تي إف" من أسواق الذهب، سوف يؤدي تجدد المخاوف من اندلاع أزمة سياسية أو مالية عالمية جديدة إلى تجدد الطلب على شراء الذهب.
من ناحية أخرى، وفي الوقت الذي تنكمش فيه الحسابات الختامية للبنك المركزي الأوروبي حالياً (حيازاته الذهبية في السالب)، لا يزال اقتصاد دول منطقة اليورو في غرفة العناية المركَّزة.
وباستمرار تحليق خطر الانكماش الاقتصادي وارتفاع نسبة الديون إلى إجمالي النواتج المحلية في دول جنوب أوروبا، فإن أزمة الديون السيادية الأوروبية لم تضع أوزارها بعد. لذلك نعتبر أن احتمال لجوء أوروبا إلى طرح برنامج للتيسير الكمي (كما ألمح إليه مسؤولو البنك المركزي الأوروبي بالفعل) ليس مستبعداً.
خلاصة
في المحصِّلة النهائية، فإن آفاق أسعار الذهب على المديين المتوسط والبعيد لا تزال "بنّاءة"، وإن العوامل الرئيسية التي تقف وراء تصنيف الذهب في فئة الأدوات الاستثمارية لن تختفي قريباً.
