بدأت أمس اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين في أستراليا والتي تختتم اليوم، لبحث سبل تعزيز النمو الاقتصادي العالمي من خلال التركيز على الاستثمار والقدرة التنافسية والتجارة والتوظيف.

وينعقد هذا الاجتماع لوزراء مالية وحكام المصارف المركزية في دول مجموعة العشرين، بينما يشعر مسؤولو عدد من الاقتصادات الناشئة بالقلق من الآثار الجانبية لتخلي الاحتياطي الفدرالي الاميركي تدريجيا عن سياسته النقدية المتساهلة.

وأظهر مشروع البيان الختامي لقمة العشرين الذي نشرته وكالة بلومبرج للأنباء مدى تفوق مساعي النمو على المخاوف من تقلبات الأسواق الناشئة التي كانت تنذر بإلقاء ظلالها على الاجتماع.

وقال أولي رين مفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية بالاتحاد الأوروبي إن أوروبا تؤيد تحديد معدل نمو اقتصادي مستهدف لدول مجموعة العشرين شريطة أن توافق تلك الدول على تنفيذ إصلاحات جريئة. وقال وزير الخزانة الأسترالي جو هوكي إن التأييد يتزايد لفكرة تحديد معدل نمو مستهدف لكن رين قال إن ذلك يتوقف على إبداء تأييد مماثل لمسألة الإصلاحات.

وقال رين "أرى أن النمو الاقتصادي هو نتيجة للسياسات الملائمة والتنسيق العالمي. لذلك أقر بأننا نحتاج إلى نمو مستهدف طموح لكن بشرط الاتفاق على إصلاحات اقتصادية جريئة وسياسات اقتصادية سليمة." وأضاف أن المناقشات بشأن النمو المستهدف تعتمد على دراسة لصندوق النقد الدولي لفرص تعزيز النمو بمقدار 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا فوق التوقعات الحالية.

شكاوى

وكانت الدول الغنية رفضت الجمعة شكاوى الأسواق الناشئة من الآثار الجانبية المترتبة على سياساتها النقدية وقالت إنه يتعين على تلك الأسواق حل مشكلاتها ومواكبة أجندة تعزيز النمو العالمي. فالدول الناشئة تريد من مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) ضبط سحبه لبرنامج التحفيز النقدي من أجل تخفيف التأثير الواقع على اقتصاداتها وأسواقها المالية.

وترد الدول المتقدمة بأن معظم المشكلات التي تشهدها نظيراتها الناشئة مشكلات داخلية وأنه يتعين تحديد أسعار الفائدة مع أخذ تعافي الاقتصادات المحلية في الاعتبار.

ونشرت وكالة بلومبرج للأنباء مشروع البيان الختامي لقمة العشرين الذي أبرز مدى تفوق مساعي النمو على المخاوف من تقلبات الأسواق الناشئة التي كانت تنذر بإلقاء ظلالها على الاجتماع.

ونقلت بلومبرج عن مشروع البيان القول "نحن ملتزمون بوضع مقاييس جديدة لزيادة النمو العالمي بنسبة كبيرة مع الحفاظ على استدامة الموارد المالية."

مخاطر

ولا يرى صناع السياسات في الأسواق المتقدمة خطرا يذكر بأن تتحول الاضطرابات التي شهدتها الأسواق في الآونة الأخيرة إلى نفس نوع العدوى التي دفعت مجموعة العشرين إلى اتخاذ إجراء مشترك ومنسق عقب الأزمة المالية العالمية. وقال جاك لو وزير الخزانة الأميركي في مؤتمر مالي في سيدني قبل الاجتماع الوزاري "يجب على الأسواق الناشئة اتخاذ خطوات لحل مشكلاتها المالية وإجراء إصلاحات يكلية."

وأضاف "نقر بأن السياسات النقدية الميسرة في الاقتصادات المتقدمة ستحتاج إلى التصحيح في الوقت المناسب." ودعا وزير الخزانة الأميركي الصين واليابان وأوروبا إلى جعل الطلب المحلي هو المحرك الرئيسي للنمو. وقال "التعافي الأميركي جيد ويسير في الاتجاه الصحيح ويزداد زخما ولكن لا يمكنه التعويض عن ضعف الطلب والنمو في الاقتصادات الرئيسية الأخرى..

وأضاف أن الولايات المتحدة بحاجة الى ان تحول تركيزها من السياسة المالية الى كيفية تشجيع النمو. واعتبر ان الاصلاحات الاقتصادية في اليابان التي أطلقها رئيس الوزراء شينزو أبي حققت تقدما لكن مازالت هناك حاجة الى المزيد من الاصلاحات.

اتفاق

واتفق وزراء مالية اليابان وبريطانيا وألمانيا مع نظيرهم الأميركي في الرأي. وقال وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله لقناة سي.إن.أي.سي إنه يتعين على الدول الناشئة القيام بواجباتها قبل أن تطلب من باقي دول مجموعة العشرين مساندتها.

وذكر نظيره الياباني تارو اسو إن سحب مجلس الاحتياطي الأميركي برنامجه التحفيزي أمر إيجابي لتمخضه عن تحسن الاقتصاد الأميركي حتى وإن زاد من خطر خروج رؤوس أموال ضخمة من بلدان أخرى.

قال اسو في طوكيو "من المهم أن تصحح الاقتصادات الناشئة هذه الأمور بجهودها الذاتية."

ضرائب

من جهة أخرى من المتوقع ان يحتل التعاون الضريبي بين الاقتصادات الكبرى في العالم ومكافحة التهرب الضريبي نقطة أساسية في اجتماع سيدني.

وقال وزير الخزانة الاميركي ان "اشغال مجموعة العشرين حول التعاون الضريبي هي من مبادراتنا الجديدة المهمة" داعيا الى مكافحة المنافسة الضريبية بين البلدان.

وأضاف ان "تبادل المعلومات سرعان ما أصبح معيارا عالميا جديدا واعتقد ان على مجموعة العشرين ان تواصل تقديم دعمها الكامل له وتشجيع جميع البلدان على اتباعه".

تحفيز

وأبرز تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحاجة لبعض التحفيز الجديد. ونبهت المنظمة إلى أن الاقتصاد العالمي يحتاج بشكل عاجل إلى إصلاحات شاملة لتعزيز الإنتاجية وإزالة الحواجز التجارية حتى لا يواجه فترة جديدة من النمو البطيء والبطالة المرتفعة.

وقالت أنجل جوريا الأمينة العامة للمنظمة للصحفيين "رسالتنا لوزراء مالية مجموعة العشرين ستكون واضحة، عليكم بالاهتمام بالناحية الهيكلية لتحقيق نمو قوي مستدام متوازن شامل."

ولم تسبب فكرة وضع أهداف ملموسة لمجموعة العشرين إلا خلافا في الماضي إذ فشلت اقتراحات باستهداف عجز موازين المعاملات المالية والتجارية في النهاية.

ولكن مصدرا بمجموعة العشرين قال إن هناك احتمالا متزايدا لأن يتضمن البيان الختامي للاجتماع المقرر هدفا للنمو. وأضاف المصدر "من المرجح جدا أن يكون هناك هدف للنمو العالمي. لا لكل دولة على حدة."

تجنب المفاجآت

ودعت استراليا التي تستضيف اجتماع مجموعة العشرين المصارف المركزية الى تجنب "المفاجآت" في سياساتها النقدية من أجل منع حدوث أي اضطرابات في الدول الناشئة. وقال وزير الخزانة الاسترالي جو هوكي "علينا ان نرفع شعار لا مفاجآت للسياسات النقدية"، مؤكدا انه "على المصارف المركزية في العالم ان تبلغ وقبل وقت كاف بقراراتها التي يمكن ان تسبب تقلبات في الاسواق". وسيتغيب وزراء مالية ثلاث دول ناشئة عن الاجتماع بسبب التزامات داخلية، هي البرازيل والمكسيك والارجنتين.

قلق

وكان حاكم البنك المركزي الهندي راغورام راجان صرح في نهاية يناير انه "على الولايات المتحدة ان تشعر بالقلق من تأثير سياستها على بقية انحاء العالم".

واضاف "نود العيش في عالم حيث الدول تأخذ بانعكاسات سياساتها على الدول الاخرى بدل ان تفعل فقط ما يناسبها هي نفسها".

وأضاف ان الاحتياطي الفدرالي يتصرف وفق مصلحة بلده وبما يتفق مع مهمته ولا يمكن وصف موقف رئيسته جانيت يلين "بالانانية"، مؤكدا انه "لدي شعور بان الاجواء ستكون بناءة هنا".

وقال الوزير الاسترالي "هناك نية حقيقية بالخروج بنتائج حقيقية".

ويشجع خفض المشتريات الشهرية من الاصول من قبل الاحتياطي الفدرالي والتوقعات بارتفاع معدلات الفائدة الاميركية على خروج رؤوس الاموال من الدول الناشئة للعودة الى الولايات المتحدة.

وقد أدى ذلك الى تراجع اسعار عملات جنوب افريقيا والارجنتين وتركيا وروسيا، بينما اهتزت الروبية الهندية بقوة صيف 2013.

من جهته، قال وزير الاقتصاد والمال الفرنسي بيار موسكوفيسي ان "وضع الاقتصادات الناشئة يستحق ان تتم متابعته باهتمام لكن ليست هناك أزمة".

وبحسب مصدر في الحكومة الفرنسية فإن "الاجماع هو نفسه (بشأن المصارف المركزية الكبرى): يجب الاهتمام بشكل جماعي بتأثيرات سياساتنا على الاقتصادات الأخرى". غير ان فيليب مارتن استاذ الاقتصاد في معهد العلوم السياسية في باريس رأى أن "التعاون المالي يعتبر في غاية الصعوبة لان المصارف المركزية لديها تفويضات وطنية". وحذر من ان الدول الناشئة "لا يمكن ان تتوقع الكثير من اجتماع سيدني. لا شك انها ستمارس نوعا من الضغط على الاحتياطي الفدرالي لكن النتيجة ستكون ضئيلة جدا".

ظروف

وبالرغم من تباطؤ النمو في الصين، القوة الاقتصادية الثانية في العالم، والتقلبات في الدول الناشئة، الا ان اجتماع مجموعة العشرين ينعقد في ظروف مؤاتية للاقتصاد العالمي. فقد رفع صندوق النقد الدولي ولو بشكل طفيف في نهاية يناير توقعاته للنمو للعام 2014 وذلك لاول مرة منذ نحو عامين وبات يتوقع ان يحقق الاقتصاد العالمي نموا بنسبة 3,7% بعد 3% عام 2013. غير ان اوروبا قد تواجه مخاطر انهيار في الاسعار، وهي ظاهرة خطيرة تولد دوامة يصعب الخروج منها، وهو ما تثبته اليابان التي تواجه مثل هذه الدوامة منذ 15 عاما.