تتضافر جهود اقتصادات الخليج بغرض تنويع مصادره وعدم الاعتماد الأساسي على النفط، غير أن نجاح هذه المساعي يعتمد على إشراك أصحاب المصالح الأساسيين وتبني سياساتهم لتحقيق المهمة الجوهرية المتمثلة في نقل رؤوس الأموال والعاملين من القطاع الحكومي إلى القطاعات والصناعات النامية، وذلك حسبما ذكرته بوز ألن هاملتون في تقريرها.
فبعد قرابة نصف قرن من النمو والتحديث، أضحت دول مجلس التعاون الخليجي تمتاز بالعديد من السمات الاقتصادية الإيجابية والتي تم استغلالها بالفعل ومنها البنية التحتية والاستقرار السياسي واستمرار الاستفادة من عائدات النفط إلا أن الرخاء مستقبلاً يتطلب مواءمة بنهج جديد بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والعملية التعليمية.
وفي تقرير لها أصدرته أمس، تدرس المؤسسة الاستشارية العالمية العاملة في مجال الإدارة والتكنولوجيا كيف يمكن لتلك الأطراف المعنية أن تتعاون حتى تزيد معدلات التوظيف في القطاع الخاص، مع تكوين قاعدة عمالية وطنية تناسب متطلبات النجاح في الاقتصاد العالمي.
معوقات وفرص
لقد تعاونت بوز ألن هاملتون مع وحدة المعلومات بمؤسسة إكونوميست بغرض تحديد وتحليل ما هو قائم من معوقات وفرص أمام نمو اقتصادي متنوع بأربع من دول مجلس التعاون الخليجي الست: عمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات.
ومن بين أهم ما تم التوصل إليه: إن استثمارات جميع الدول الأربع في مجال تكنولوجيا المعلومات والأمن الإلكتروني تتنامى بصورة مطردة في قطاع الاتصالات. أما بقية القطاعات الواعدة فهي الخدمات المالية والرعاية الصحية والسياحة.
على أن إحداث نقلة في تلك الصناعات يستدعي نقل رؤوس الأموال والأيدي العاملة من القطاع الحكومي وهو التحدي الدائم أمام القيادات في دول مجلس التعاون الخليجي.
نقلة
يعلق الدكتور ماهر نايفة، نائب رئيس شركة بوز ألن هاملتون الشرق الأوسط، على التقرير بقوله إن "النقلة من اقتصاد محوره النفط إلى آخر متنوع هي عملية معقدة ولكنها قابلة للتحقيق". "حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بما قد يعتبر أكبر ثورة طبيعية لم تستغل حتى الآن: المواطنون الراغبون في نجاح وتقدم دولهم.
وتمتلك بوز ألن هاملتون خبرة فريدة في استغلال وتحفيز هذا القاسم المشترك عبر القطاعات الحكومي والخاص والتعليمي وكذلك المجتمع المدني لمساعدة عملائنا على تنفيذ حلول تحقيق الرخاء طويل الأمد".
خطوات
وتوصي بوز ألن هاملتون في تقريرها باتخاذ خمس خطوات أساسية لبناء اقتصادات مزدهرة مستديمة ومتنوعة وأشد تنافسية:
1- الشراكة بين القطاعين العام والخاص
تطبيق مفهوم "المجتمعات العملاقة" على هذه الإشكالية المعقدة يعتبر إقراراً بأنه لا يوجد كيان منفرد يمتلك كافة الموارد أو الصلاحيات التي تمكنه من حل المشكلة بمفرده. حيث يكمن النجاح في القدرة على خلق شراكات بين القطاعين العام والخاص بما يسمو على المهام الفردية لصالح المصالح والمسؤوليات المشتركة لتحقيق الأهداف الاقتصادية لدول التعاون الخليجي.
2- حوافز وإصلاحات
ينبغي على الحكومات أن تدعم نمو القطاع الخاص الذي يولد الدخل من خلال تنوع قطاعاته وصناعاته المزدهرة.
ولو بدأت تلك الجهود بالقطاعات ذات المقدرات العالية، مثل الاتصالات والرعاية الصحية، وبوسعها أن تشمل تقديم رؤوس الأموال لأصحاب المشروعات وتأسيس مراكز للابتكار والتطوير، وتبني الشركات الوطنية حتى تتمكن من المنافسة إقليمياً وعالمياً.
3- قاعدة عمالية تنافسية
يُفضل وبفارق كبير معظم مواطني دول مجلس التعاون الخليجي العمل في القطاع الحكومي وليس الخاص. وقد تبين من الاستطلاع الذي شمل الدول الأربع أن أكثر من نصف عدد المواطنين الموظفين في ثلاث دول منها منخرطون في أعمال بالقطاع العام، وذلك مقارنة بنسبة 20 % فقط في بريطانيا.
وقد يرى البعض في دعم رواتبهم من قبل الحكومات مع فرض توظيفهم حلاً قصير الأمد، ولكن هذا في النهاية يقضي على الروح الابتكارية والافتخار بالعمل بل والحافز إلى مواصلة العمل بالأساس.
حيث يعتمد النجاح طويل الأمد على القدرة على تقديم رواتب تنافسية وبيئات عمل جاذبة واقتناص العاملين ذوي المهارات بغرض المنافسة في السوق العالمية. ومن ضمن سبل التعامل مع تلك المسائل تزويد الشركات بدعم قصير الأمد بغرض تمكينهم من تعيين وتدريب المواطنين.
4- اختبار أثر المبادرات
قبل الشروع في تنفيذ أية مبادرة جديدة يكون بوسع الحكومات تقييم الأثر المتوقع من خلال مقاييس ومحاكيات وبرامج اختبارية. على أن القياس الفعال يتطلب من أصحاب المصالح تنفيذ نظم معلومات وإجراءات لتجميع ومشاركة وتحليل البيانات.
كما أن بمقدور أنظمة دعم القرار أن تساعد في وضع البرامج على الدرب السليم. ستزود تلك الجهود الحكومة وقيادات الشركات بما يحتاجون إليه من معلومات لاتخاذ قراراتهم عن علم وعلى أساس حقائق، عند تصميم وتنفيذ الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية.
5- حملة إعلامية وطنية
يعتمد نجاح إعادة الهيكلة الاقتصادية على احتضان المواطنين لتلك البرامج الاقتصادية التنموية الوطنية. ومن شأن حملة إعلامية مقنعة أن تبين الصلة بين النجاح الاقتصادي طويل الأمد بدول مجلس التعاون الخليجي والازدهار الاقتصادي لكيانات القطاع الخاص.
كما أن التركيز لابد أن يتغير من تسليط الضوء على مميزات الرواتب وساعات العمل إلى ما في العمل من قيمة تتمثل في التدريب وشحذ المهارات. وفي النهاية، فإن العمل المبني على أساس الجدارة يعزز من شخصية الفرد وتحمله المسؤولية.
