بعد مرحلة الكساد الكبير خلال عامي 2009 و2010، ثم مرحلة كساد أخرى خلال الأعوام 2011 إلى 2013، تقول كل المؤشرات إن منطقة اليورو ستشهد تعافياً تدريجياً في النمو الاقتصادي في عام 2014.
فإن الكسادين الأخيرين قد نجم عنهما بعض أعلى معدلات البطالة في تاريخ عدد من دول منطقة اليورو، ومن دون نسب عالية من النمو ومستويات منخفضة من البطالة فإن مستقبل منطقة اليورو قد يكون معرضاً للخطر مع احتمالات انهيار النسيج الاجتماعي الذي يحفظ تماسك منطقة اليورو.
الأرقام الصادرة مؤخراً من منطقة اليورو كانت مشجعة، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة نسبة 0.3% للربع الرابع لعام 2013، وذلك عقب نتائج إيجابية للربعين السابقين. وعلاوة على ذلك، سجلت كافة مؤشرات مديري المشتريات للقطاع الصناعي لأكبر الاقتصادات الأوربية نمواً أقوى ليناير 2014، باستثناء فرنسا.
والأخبار الطيبة هي أن زخم النمو العالي قد تضمن دولاً هامشية مثل إسبانيا التي كانت على حافة أزمة مالية خلال 2011-2012. وعلى ذلك تتوقع مجموعة «كيو ان بي» نمواً اقتصادياً لمنطقة اليورو بنسبة بين 0.5% إلى 1.0% في عام 2014، ونمواً أقوى بعض الشيء (1.0%-1.5%) في عام 2015.
ندوب
كما خلف الكسادان الأخيران ندوباً عميقة على النسيج الاجتماعي في الاقتصادات الأوروبية المذكورة. وعموماً، بلغ معدل البطالة في منطقة اليورو أعلى مستوى له على الإطلاق في أكتوبر 2013 عند 12.2% وفقاً لإحصاءات يوروستات. وظل حوالي نصف هؤلاء العاطلين عن العمل من دون وظيفة لمدة تزيد على سنة، وإضافة لذلك، فإن حوالي ربع الأوروبيين تحت سن 25 سنة عاطلون عن العمل.
وفي إيطاليا والبرتغال، فإن نسبة العاطلين من هذه الفئة تصل إلى حوالي الثلث السكان، وفي اليونان وإسبانيا، يزداد هذا الرقم بمقدار النصف، وما لم يتم التوصل إلى حل لأزمة البطالة في كل من اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، فإن من المرجح أن تتعرض منطقة اليورو إلى قدر من الضغوط.
إجابة
ما الذي يمكن عمله لمعالجة أزمة البطالة في منطقة اليورو؟ الإجابة المختصرة لهذا السؤال هي تحقيق مستوى أعلى من النمو يركز على استخدام العمالة، فبنمو اقتصادي أعلى، سيكون بإمكان اقتصادات الدول الطرفية لمنطقة اليورو خلق مزيد من الوظائف وخفض المخزون الكبير من البطالة.
والأهم هو أنه إذا كانت هذه الوظائف في الصناعات ذات العمالة المكثفة مثل الخدمات، فلكل نقاط نسبية من النمو العالي يتم خلق عدد كبير من الوظائف.
ولا يمكن تحقيق نمو عال مع كثافة في العمالة في دول منطقة اليورو الطرفية عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي، فقد عملت في الماضي حكومات كل من اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا على التوسع في الصرف على الوظائف الحكومية من أجل خفض مستوى البطالة. ولم يحقق ذلك سوى خلق بيروقراطية متدنية الكفاءة وزيادة الدين الحكومي.
وهذه المرة، سيكون القطاع الخاص هو قاطرة النمو الوحيدة مع اضطرار القطاع العام إلى خفض الإنفاق الحكومي من أجل التماشي مع تشريعات الاتحاد الأوربي القاضية بالحفاظ على المديونية الحكومية عند مستويات ملائمة.
تقدم التجربة الألمانية خلال العاقد الماضي درساً مهماً في كيفية مكافحة البطالة في دول منطقة اليورو الطرفية، فعقب توحيد الألمانيتين، واجهت ألمانيا الاتحادية تحديات اقتصادية كبيرة تمثلت في فقدانها التنافسية مقابل أوروبا الشرقية وافتقار أسواق العمالة فيها للمرونة اللازمة للاستجابة لتغيرات المشهد الاقتصادي.
وقد ردت الحكومة الألمانية على هذا التحدي بإدخال إصلاحات شاملة على أسواق العمالة (ما عرفت بإصلاحات Hartz IV) ابتداءً من عام 2005 تمثلت في تخفيض فوائد العاطلين عن العمل، وجعل أسواق العمالة أكثر مرونة، وإجبار العاطلين عن قبول أي وظيفة قانونية.
وترتب على هذه الإصلاحات حدوث تراجع كبير في تكلفة العمالة في ألمانيا، وجعل الاقتصاد الألماني أقوى تنافسية داخل أوروبا وعالمياً، إضافة إلى حدوث انخفاض كبير في معدل البطالة عموماً وبين الشباب بصفة خاصة.
ونتائج هذه الإصلاحات تتحدث اليوم عن نفسها، ففي ديسمبر 2013، سجلت ألمانيا أحد أدنى معدلات البطالة (5.1%) في المنطقة وفقاً لمؤسسة يوروستات، بالرغم من تدفق أعداد غفيرة من الباحثين عن العمل من مناطق أوروبا الأخرى، وفي نفس الوقت، يظل الاقتصاد الأماني هو محرك النمو الرئيس في منطقة اليورو.
إصلاحات
إيعد إدخال إصلاحات في الدول الطرفية لمنطقة اليورو في الوقت الحاضر أمراً حيوياً، ومن دون مثل هذه الإصلاحات، سيظل النمو الاقتصادي منخفضاً ومعدل البطالة مرتفعاً. وفي المدى المتوسط، فليس من المتوقع أن يكون هذا الوضع محتملاً على الصعيد الاجتماعي، وقد يقود إلى انهيار الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي تمسك بمكونات منطقة اليورو إلى بعضها بعضاً.
