تجمع توقعات الخبراء ومؤسسات الرصد الاقتصادي على أن الاقتصاد الأميركي مقبل، خلال 2014 على الانتقال إلى محطة متقدمة من الانتعاش. وتؤشر جميع الأرقام والإحصاءات والمعطيات الجديدة، فضلاً عن المناخ العام، المالي والنقدي؛ في هذا الاتجاه. وتستند توقعات الانتعاش لعام 2014 على معطيات مشجعة شهدها 2013 وبما يميّزه عن السنوات السابقة منذ أزمة 2008.

هذا التحول ولو المتعثر لتداعيات للأزمة المالية، خلال السنوات الخمس الماضية، أدّت إلى تجميع عوامل تدعم هذه النقلة المرجّحة لكنها غير مضمونة وكذلك من غير المعروف مدى رسوخها واستمرارها. ناهيك بقدرتها على التأسيس لإعادة تشغيل محركات الاقتصاد الأميركي، في المستقبل القريب.

الشكوك وفي أحسن الأحوال، التحفظات هي القاسم المشترك بين القراءات والاستنتاجات المتباينة في هذا الخصوص. حتى المتفائلة منها. ذلك أن المؤشرات الإيجابية لا تشمل أساسيات، من دونها لا يتحقق النمو الذي يمكن الركون إليه.

كما أن هناك خلل فادح في توزّع الثروة، تفاقم في العقود الأخيرة نتيجة الانفلات المالي ويكاد يتحوّل إلى عطب بنيوي خطير. ولمثل هذا الخلل انعكاساته السلبية على حركة الاقتصاد الأميركي الذي يعوّل 70% - أكثر من 10 تريليون دولار ـ منه على الاستهلاك الداخلي.

معطيات مشجعة

وطاولت المعطيات المشجعة أكثر من قطاع ومؤشر، فعلى الصعيد الصناعي، تحققت قفزات ملحوظة، من صناعة السيارات والطيران وبرامج الحاسوب وصولاً إلى الصناعات النسيجية. وهذه الأخيرة بدأت العودة إلى الداخل بعد هجرة طويلة إلى الخارج.

وسجّلت البيانات مؤخراً، ما يشير إلى تنامي قدرة المنتجات الصناعية الأميركية على المنافسة في الأسواق الدولية. كذلك شهد قطاع العقارات السكنية، الذي كان لبّ الأزمة المالية، حالة من الانتعاش أخرجته من الكبوة التي لازمته منذ ذلك الحين.

ورافق هذا التحسّن تطوران بالغا الأهمية، تمثلا في الطفرة في حقل الطاقة وتوافق بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس على إطار لموازنة السنتين المقبلتين.

طفرة الطاقة

وشهدت الأشهر القليلة الماضية طفرة خاصة في إنتاج الغاز الطبيعي، وضبط أسعار المحروقات وبما انعكس إيجاباً على القدرة الشرائية واستطراداً على تشجيع المستهلك على الإنفاق.

فحسب التقديرات، وباتت أميركا تنتج من النفط والغاز ما يعادل حاجتها اليومية للاستهلاك أي نحو 21 مليون برميل يومياً؛ معظمها من الصخور الزيتية التي مكّنت التكنولوجيا الحديثة من الوصول إليها على عمق بين واحد وميلين تحت الأرض.

وتتحدث بعض التقارير في هذا الخصوص عن تزايد محتمل في الإنتاج، بزعم أن هذه الصخور موجودة في معظم التركيبة الجيولوجية للولايات المتحدة. تقديرات قد يكون مبالغ فيها، على أساس أن هذه المصادر الصخرية محدودة المخزون وبالتالي غير صالحة للتعويل عليها في المدى الطويل.

اتفاق الموازنة

أماّ موضوع الموازنة فإن أهمية التوافق بشأنها، تكمن في أنها تعطى ضمانة ولو مؤقتة بسنتين، باستمرار الانفاق الحكومي بدون هزات أو تخوّف من تعطيله، كما جرى في أكتوبر الماضي واستمر لأكثر من أسبوعين، مع ما ترتّب على ذلك من ارتدادات سلبية على الوضع الاقتصادي.

على الأقل لن يقوى الكونغرس على تكرار مثل هذه اللعبة من خلال سلطاته المالية الحاسمة. وبذلك يتوفر الاستقرار المطلوب وبخاصة لأسواق المال التي حققت قفزة بنسبة 25% خلال العام الماضي.

مخاوف من تحول برنامج التحفيز إلى فقاعة مالية أخرى

مخاوف التحفيز

وفي محاولة لتخفيف آثار الأزمة المالية أدخل البنك المركزي الأميركي برنامج التحفيز النقدي وهو إجراء اتخذه البنك من ضمن صلاحياته ولا سقف له، فهو في حقيقته كمن يقترض من نفسه، بلا تغطية سوى الثقة بمتانة الاقتصاد الأميركي وبالدولار، باعتباره عملة الاحتياط المالي في العالم.

واستناداً إلى هاتين الميزتين التي تنفرد بهما أميركا، واصل البنك وما زال ضخ السيولة بغية تنشيط عملية الانتعاش الاقتصادي أو على الأقل لتحصين الاقتصاد ضدّ العودة إلى حالة الركود التي سادت في أعقاب الأزمة المالية.

لكن بعض خبراء المال يحذرون من خطر تحوّل هذا البرنامج إلى فقّاعة مفتوحة على أزمة مالية أخرى، لو استمر الضخّ لفترة مديدة؛ بحيث يصبح الاقتصاد وكأنه مستمر بالواسطة المصطنعة.

بيد أن مثل هذا الاحتمال يستبعده دعاة التحفيز، طالما أن مجمل الديون حوالي 16 تريليون دولار ما زال في حدود حجم الاقتصاد، بل بالإمكان تجاوزه على أساس أن هذا الأخير قادر على استيعاب مثل هذه الحمولة. وهناك حالات مشابهة مثل اليابان التي بلغت ديونها ضعف حجم اقتصادها.

 

خفض

 

أقدم بنك الاحتياط الفيدرالي البنك المركزي على خفض مشترياته الشهرية من صكوك الخزينة والسندات المالية، بقيمة عشرة مليارات دولار شهرياً؛ من 85 إلى 75 ملياراً، وهو ما يعرف ببرنامج التحفيز الاقتصادي. وكان البنك قد عمد خلال فترة الركود إلى شراء هذه الأوراق كوسيلة لضخّ المزيد من السيولة بهدف تنشيط العجلة الاقتصادية.

وقد جاء هذا الخفض ليؤشر إلى تحسّن الوضع. ولو أن البنك حرص على إبداء الحذر بخصوص درجة الانتعاش المتوقعة، واعداً بالمزيد من تقليص برنامج التحفيز شراء الصكوك لو سارت الأمور في طريق التعافي الاقتصادي. وتوقع البنك المركزي بلوغ معدل النمو 3 % في 2014 بعد أنه كان 3.4 % في عام 2005، ليتراجع بعد الأزمة إلى ما دون 2 %، التي بلغها العام الماضي.

 

العقبات قائمة رغم هبوط العجز في 2013 إلى 685 مليار دولار

 

على الرغم من المؤشر الجيد الذي تمثل في انخفاض عجز الموازنة خلال 2013 إلى 685 مليار دولار، من 1.1 تريليون دولار كانت مسجلة سابقاً، إلا أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد بات في طريقه إلى تحقيق الإنعطافة المطلوبة، ذلك أنه يفتقر إلى شروط أساسية، على رأسها البطالة التي ما زالت في حدود 7% وليس من المحتمل أن تنخفض 1% في 2014.

وطالما بقيت فوق 4% فإن الاقتصاد لن يقوى على مغادرة غرفة الإنعاش.

ومحاربة البطالة لن تتحقق سوى بالإنفاق الحكومي، ولو زاد ذلك من منسوب الديون العامة، حسب بول كروغمن الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد. وحده مثل هذا الانفاق، خاصة في البنية التحتية التي تحتاج إلى أكثر من تريليون دولار، يكفل خلق فرص العمل لخفض البطالة.

وفي رأيه، لا خوف من تراكم الديون طالما أن محركات الاقتصاد تعمل بانتظام وتحقق النمو اللازم، بحيث تكفل تأ مين المداخيل للمستهلكين من جهة وتوفر المزيد من الإيرادات على شكل ضرائب للخزينة

. فالنمو هو العامل المركزي وليس الديون، كما يقول لاري سامرز، استاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد ومستشار اوباما السابق، والذي كان مرشحاً لرئاسة بنك الاحتياط الفيدرالي. ونظريته أن زيادة النمو تؤدي إلى القضاء على العجز في الموازنة. خفض البطالة مفتاح النمو.

ولا يزال الجدل في واشنطن حول الوضع الاقتصادي مفتوحاً. وليس هناك من يملك المفتاح السحري. أزمة 2008 لم تنته بعد. يلزمها، وفق بعض التقديرات خمس سنوات أخرى على الأقل. التوجهات متلاطمة.

وهي تدور إجمالاً بين مدرستين: دعاة التقشف الحكومي، بحجة أن الديون باتت لا تحتمل. ودعاة الإنفاق، بداعي أنه عامل تحفيز وتشغيل. الواقع أن ذلك واجهة لخلاف أعمق حول طبيعة النظام ووظيفة الدولة.

المحافظون لا يرون مخرجاً للأزمة سوى بتقليص دور الدولة الاقتصادي، واستطراداً ترك الحبل على غاربه لبيوتات المال والشركات ولو أن مثل هذا الانفلات كان أدى إلى الأزمة ووسّع الهوة بين القلة 2 إلى 10% وبين الطبقة الوسطى المصابة بالتآكل وبانحدار مداخيلها، بحيث صارت مهدّدة في موقعها وبما يحوّل المجتمع الأميركي من ثلاث طبقات إلى طبقتين: فوق وتحت فقط.

الديمقراطيون يحرصون على حضور الدولة في الدورة الاقتصادية، كصمام أمان وبما يحفظ التوازن الاجتماعي ويضمن لهم حضورهم في أوساط الكتلة الانتخابية التي كانوا تاريخياً أقرب، مقارنة بالجمهوريين، إلى مصالحها الأساسية.

وقد يكون الاقتصاد الأميركي أفضل نسبياً في 2014. خاصة وأن أوضاع الآخرين ربما ما عدا الصين، ليست على ما يرام. معدلات البطالة العالمية المتوقعة للعام القادم باقية في حدود 7% أو اكثر.

 لكن التحديات الأميركية، في ضوء الانقسام والتخبط القائمين، باقية وإلى حين. ولهذا يتمسك حتى المتفائلون من الأميركيين بالحذر. وقد انعكس ذلك في آخر استطلاع للرأي حيث يرى 68% من الأميركيين بأن اداء اقتصادهم "فقير".