أخيراً رضخ الجمهوريون، وخسروا الجولة لصالح الرئيس الأميركي باراك أوباما. بعدما وافق الكونغرس على التمويل والاقتراض، وفتحت الحكومة أبوابها، وتراجعت الأزمة عن حافة الهاوية. لكن كل ذلك لا يعني أن الأزمة انتهت. فهي لا تزال بلا حلّ. هي باقية تحت الرماد. فقط جرى ترحيلها إلى مطلع العام المقبل، بصفقة وفّرت فسحة لالتقاط الأنفاس.
أو هي بمعنى آخر صفقة ترحيل للحلّ المفقود.. مجرد مخرج، على تواضعه، ترك الكثير من الارتياح في واشنطن وربما في العالم. ذلك أن البديل كان الوقوع بكارثة توازي تفجير قنبلة مالية من العيار «النووي»، على حد تعبير أحد كبار رجال الأعمال الملياردير الأميركي وارن بافيت.
بيد أنه انفراج صاحَبَه تخوّف مشروع من شبح الأزمة الذي يلوّح باحتمال عودتها القريبة. فالسيف ما زال مسلطاً فوق الوضع العاجز المستعصي. السؤال الأول الذي طرحه الأميركيون بعد توقيع الرئيس أوباما للقانون الصفقة حوالي منتصف ليل الأربعاء، كان: ماذا بعد نفاد مفعول هذا الترحيل، بين أواسط يناير وبداية فبراير المقبلين؟
مواقف متناحرة
في ضوء ما كشف عنه المأزق من مواقف متناحرة ومن عجز تمثل بالهروب إلى الأمام، يرى فريق كبير من المراقبين؛ أن المشكلة عائدة بعد نهاية إجازتها الإجبارية. فما حصل لم يكن أكثر من رجوع عن حافة الهاوية. وقد فرضته ضغوط غير اعتيادية على الجمهوريين ومعظمها جاء من مواقع محسوبة إجمالاً عليهم: أساطين وول ستريت، غرفة التجارة الأميركية، صنّاع رأي ووسائل إعلام من الخندق المحافظ.
وحتى رئيسة صندوق النقد الدولي حذرت، على غير عادة، من العواقب. فضلاً عن الردود الخارجية. كله فرض تراجعاً اضطرارياً، لا يوفر الاطمئنان كما ترى مؤسسة ستاندرد أند بورز الأميركية. فالخلاف حول الموازنة وسقف المديونية، ما زال على حاله.
اللجنة المشتركة من مجلسي النواب والشيوخ التي تشكلت مناصفة من الحزبين كجزء من الصفقة، "لن تقوى على تفكيك أزمة معقدة عميقة" في مدة أقل من شهرين، على ما قال الجمهوري نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب الأسبق. وهو يعبّر عن جناح واسع من المحافظين الذين بدأوا من الآن بشحذ أسلحتهم للجولة المقبلة، بقيادة الرمز الجديد السيناتور تاد كروز الذي قاد التمرد الأخير.
شرخ كبير
في المقابل، يستبعد آخرون تكرار المواجهة الأخيرة؛ لسبب رئيسي هو أن أركان وقيادات الجمهوريين في الكونغرس، ما عدا جناح "حزب الشاي"؛ غير قادرين على تحمل هزيمة أخرى. خاصة وأن الانتخابات مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ على الأبواب. خريف العام المقبل. بالكاد تكفي هذه المدة لوقف نزيف خسائرهم:
لم يحصلوا على أي تنازل من البيت الأبيض. ورصيدهم هبط إلى أدنى درجاته. ثم أن الجولة أدت إلى حصول شرخ كبير في صفوفهم، بين الخط التقليدي للحزب والخط اليميني المتمرد وإلى الحدّ الذي صار معه التراشق على المكشوف بين الجانبين. لذلك، حسب هذه القراءة، لن تتكرر المواجهة. ليس من باب التعفف. لكن من باب عدم القدرة. ومن هنا قول زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، الجمهوري ميتش ماكونيل؛ إن "الإقفال الحكومي لن يكون مطروحاً" بعد الآن.
هل يعني وعده أو ربما نقده الذاتي لتقليل الخسائر؟ إن الأزمة باتت على طريق التسوية بعد ثلاثة أشهر؟
قد لا تتكرر الدراما بهذه الصورة، في المرة المقبلة. التجربة الأخيرة كانت قاسية. ليس فقط لأنها تسببت بشلل حكومي لمدة 16 يوماً، بلغت كلفتها 24 مليار دولار؛ مع ما انطوى عليه ذلك من انكشاف وإحراج وإرباك في الداخل والخارج. بل أيضاً وأساساً لأنها حملت معها ولأول مرة خطر إشهار العجز عن تسديد أميركا لالتزاماتها المالية.
لا يتحمل أهل النظام المغامرة بلعبة حافة الهاوية إلى هذا المدى، مرة ثانية. يقفون كما وقفوا مرغمين عشية الصفقة، بوجه جماعة "نيرون" في الكونغرس. لكن في الوقت ذاته، من المستبعد أن تكون التجربة قد وضعت الأزمة على سكة الحلّ. "فالحياة السياسية في أميركا معطوبة وملطخة بالحزبية المنغلقة وبالانفصال عن الواقع"،على ما يقول أحد المحللين. هنا، أي في الانفصال، مكمن الأزمة.
عمق الصراع
الصراع في عمقه، ليس على الأرقام. نحيب الجمهوريين بشأن منسوب الديون مفتعل. صحيح أنه عال. صار يوازي حجم الاقتصاد الأميركي أو الناتج القومي العام. في حدود 17 تريليون دولار. لكن ليست هذه حالة فريدة. ديون اليابان توازي 80% من إجمالي الناتج القومي. تبلغ حوالي 7 تريليونات دولار.
وفي اقتصاد لا يوازي سوى نصف الاقتصاد الأميركي. الصراع هو بين الانفلات والضبط المعقول. بين توفير الحد الأدنى من الضمانات وبين محاولة نسفها. بين تعزيز حضور الدولة وبين شطبه. خطان يسيران في اتجاهين مختلفين. وفي ظل هذا الواقع، يصبح خيار الترحيل والتأجيل هو الخيار المتاح للتعامل مع أزمة مرشحة لتبقى معلّقة بين التأزم والحلحلة المؤقتة، إلى حين.
