تزايدت المخاوف من احتمال أن يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة كارثية مع اقتراب تاريخ السابع عشر من أكتوبر وهو التاريخ المحدد كمهلة لرفع سقف الدين الأميركي وإلا واجه أكبر اقتصاد في العالم مشكلة تخلف عن سداد التزامات الديون المتوجبة عليه. ويرى خبراء أنه في حال إعلان الولايات المتحدة بلداً متخلفاً عن السداد فإن ذلك سيجر الاقتصاد العالمي بأكمله نحو تداعيات خطيرة.
اتصالات بلا نتائج
وكان الديمقراطيون والجمهوريون قد عاودوا الاتصالات أول من أمس الجمعة سعياً لتجنيب الولايات المتحدة التعثر في سداد مستحقاتها وما سيواكب ذلك من تبعات كارثية غير أنه لم يتم إحراز أي اختراق حاسم في اليوم الحادي عشر من الأزمة المالية. وبعد أقل من 24 ساعة على اجتماع في البيت الأبيض أجرى الرئيس باراك أوباما ومحاوره الرئيسي من الجانب الجمهوري رئيس مجلس النواب جون باينر مكالمة هاتفية، على ما أفاد المتحدثان باسمهما.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني: إن من الواضح أننا في موقع افضل مما كنا عليه قبل بضعة أيام من حيث النهج البناء الذي رأيناه" ولو انه "ليس هناك اتفاق. وأشار إلى أن أوباما لديه "بعض المخاوف" حيال الاقتراح الذي قدمه جمهوريو مجلس النواب في اليوم السابق بدون مزيد من الإيضاحات.
وبحسب المعلومات الواردة فإن هذا العرض يرفع سقف الدين بشكل مؤقت حتى 22 نوفمبر ولكن بدون أن يتضمن اجراء يغطي بالكامل الدولة الفيدرالية المشلولة منذ الأول من اكتوبر لعدم التوصل إلى اتفاق على ميزانية للسنة المالية 2014. ولقاء رفع سقف الدين المؤقت يطالب الجمهوريون بفتح مفاوضات حول الميزانية وبإصلاح البرامج الاجتماعية مثل نظام التقاعد، وهي نقاط خلاف مع البيت الأبيض. ورفض كارني اطلاق صفة "مفاوضات" على المحادثات الجارية مع المحافظين.
استحقاق حاسم
وتواجه الولايات المتحدة استحقاقاً حاسماً في 17 أكتوبر حيث لا يعود بوسعها الاقتراض من أسواق السندات في حال عدم التوصل إلى اتفاق في الكونغرس على رفع الحد القانوني للدين العام. وحذّرت الخزانة من التعثر في سداد المستحقات ما سيضع الاقتصاد الأول في العالم في موقع غير مسبوق وكارثي. وقال وزير الخزانة جاكوب لو في بيان صدر بمناسبة الجمعية العامة لصندوق النقد الدولي المنعقدة في واشنطن إن الولايات المتحدة تلعب دوراً محورياً في النظام المالي الدولي.
وحين تزداد المخاطر فإن البحث عن الأمان والنوعية يدفع المستثمرين نحو الأسواق الأميركية. لكنه تابع محذراً: لا يمكن للولايات المتحدة أن تعتبر هذه السمعة التي كانت ثمرة عمل حثيث أمراً مفروغاً منه.
جهود ومخاوف
كذلك دعت الدول الصناعية والناشئة الكبرى في مجموعة العشرين الولايات المتحدة إلى "التحرك بشكل عاجل" بحسب بيان صدر في ختام اجتماع لوزراء ماليتها. كما استقبل أوباما في البيت الأبيض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الأقل تصلباً من بعض زملائهم المنتمين الى حركة حزب الشاي المحافظة المتطرفة. ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق غير أن أعضاء مجلس الشيوخ أثنوا على رغبة الرئيس في الحوار. وقال جون ماكين بعد الاجتماع: "هل تحقق اختراق حاسم؟ لا" مضيفاً "لكن يمكنني القول إن هذا النقاش كان مفيداً جداً. وآسف ألا يكون جرى قبل أسابيع". وأكد السناتور الجمهوري بوب كوركر: إننا بصدد تسوية هذه المشكلة، لكنه استبعد الخروج من الأزمة قريباً.
المأزق الراهن يضعف الثقة في الدولار
أبدى محللون في مجموعة بنك قطر الوطني مخاوف من إمكانية أن يؤدي المأزق الراهن في الولايات المتحدة حول الموازنة وسقف المديونية إلى إضعاف الثقة في الدولار.
كما أنه من المتوقع أن يكون لمأزق الموازنة تأثير طفيف ومؤقت في النمو الاقتصادي الأميركي. إن عدم التوافق على تسوية سياسية حول الموازنة الأميركية يعني عدم الموافقة على توفير المخصصات المالية لمختلف الخدمات الحكومية بتاريخ الأول من شهر أكتوبر، بداية السنة المالية الجديدة. وإذا فشل الكونغرس في اعتماد المبالغ اللازمة، فلن يكون أمام الحكومة الفيدرالية سوى إغلاق دوائرها (باستثناء الخدمات الأساسية) لعدم قدرتها على الدفع لموظفيها ولا على دفع تكاليف السلع والخدمات اللازمة.
وبالرغم من أن الإغلاق الحكومي إجراء يثير الكثير من التعطيل والاضطراب، إلا أنه ليس من غير المألوف في الولايات المتحدة، حيث تم استخدامه في الماضي لإرغام أحد الحزبين الرئيسيين على الإذعان لبعض التدابير الأساسية التي يقترحها الحزب الآخر.
وقد حدث آخر إغلاق للحكومة في تاريخ الولايات المتحدة في عام 1996 عندما حاول الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون، دون نجاح، إجبار الرئيس كلينتون على إحداث استقطاعات في برامجه المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم والبيئة.
ويقدر الأثر الاقتصادي للإغلاق الحكومي في العادة على أنه أثر طفيف (في حدود 0,1% إلى 0,3% من الناتج المحلي الإجمالي) كما أنه على الأرجح ذو طبيعة مؤقتة لأنه حين تتم الموافقة على الموازنة في نهاية الأمر يستعيد الجهاز الحكومي كل وظائفه.
ولكن المأزق حول سقف المديونية الأميركية أمر مختلف وأكثر خطورة. فقد وضع الكونغرس الأميركي منذ عام 1917 سقفاً لحجم الدين الذي يمكن للخزينة إصداره بهدف الحفاظ على الضبط المالي.
ويتم رفع هذا السقف بالقانون كلما اقتربت الديون الأميركية من السقف المحدد لتفادي التخلف عن السداد.
وقد بلغت الخزينة الأميركية السقف الحالي المحدد بمبلغ 16.7 تريليون دولار في 19 مايو 2013.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلت الخزينة تقترض مؤقتاً بالاستقطاع من مختلف الحسابات الداخلية واستخدام العائد من ذلك في إصدار سندات وأذونات خزينة. هذا وقد حذرت الخزينة الأميركية بأنها ستعجز عن سداد الدين الحكومي ما لم يتم رفع السقف من قبل الكونغرس.
ضغوط شديدة
يخضع الجمهوريون لضغوط شديدة إذ يقف الرأي العام بغالبيته إلى جانب الرئيس الديمقراطي منذ اندلاع الأزمة. وكشف استطلاع للرأي نشرت نتائجه شبكة إن بي سي وصحيفة وول ستريت جورنال أن 53% من الأميركيين يحملون الجمهوريين مسؤولية شلل الإدارة الفيدرالية، في مؤشر سيئ للجمهوريين قبل سنة من الانتخابات التشريعية في منتصف الولاية الرئاسية. وردد كارني أن الرئيس سيصادق على إجراء يرفع سقف الدين لأطول مدة ممكنة لكنه متمسك بالمطالبة بالتصويت على الميزانية بدون شروط مسبقة.
ووضع مئات الآلاف من موظفي الدولة منذ الأول من اكتوبر في اجازة غير مدفوعة ما ادى الى تعطيل الإدارة الفيدرالية مع ما يرافق ذلك من تبعات بدأت تشتد وطأتها بشكل متزايد.
