صار من شبه المؤكد أن مشكلة تمويل بنود الموازنة الأميركية باقية في الطريق المسدود حتى الأسبوع المقبل، بأحسن الأحوال. أي لغاية حلول استحقاق رفع سقف المديونية العامة في منتصف الشهر الجاري.
وفوات الموعد الأخير من دون تمكين الخزينة من الاقتراض للوفاء بالتزاماتها المالية، من شأنه ان يتسبب بخلق أزمة مركبة، لم تعرف الولايات المتحدة مثيلاً لها في تاريخها. لا من حيث نوعيتها ولا من حيث تداعياتها، الداخلية والدولية؛ حسب ما يجمع عليه خبراء المال والاقتصاد الأميركيون. فعقدة التمويل أدت إلى إقفال الدوائر. وعدم توفر السيولة لدى الخزينة الأميركية، يؤدي إلى إعلان العجز عن تسديد المستحقات المالية.
كوارث
حالة غير مسبوقة تهدّد بذيول مفتوحة على "كوارث" مالية واقتصادية، في الساحتين الأميركية واستطراداً الدولية. خاصة آثار ذلك على سندات الخزينة المتوقع أن تكون الضحية الأولى والأكبر لما تشكله من رأسمال لا يضاهى بقيمته كما بالثقة العالمية الكاملة فيه كأهم مجال استثماري على الإطلاق.
ناهيك بالآثار على الأسواق المالية، التي بدأت تشهد حالة من الهبوط في الأيام الأخيرة خاصة بورصة نيويورك؛ وأيضاً على حركة القروض والاستثمارات، فضلاً عن ثقة المستهلك وسوق العمل، حيث من المتوقع أن تشهد تراجعات وانحسارات كبيرة تشمل سائر القطاعات وعلى مختلف المستويات.
وصفة للغرق في حالة ركود وربما كساد مديدين، حسب التحذيرات المتداولة على غير انقطاع. ومن بينها ما صدر عن مديري مؤسسات مالية في وول ستريت وخبراء مال واقتصاد ومراجع أكاديمية ومسؤولين سابقين والعديد من أركان الكونغرس، وحتى من بين الجمهوريين.
هوة
وما يزيد من المخاوف ان ضيق الوقت لا يسمح بردم الهوة الواسعة بين البيت الأبيض والأجنحة المتمردة في الكونغرس. فمع غياب توفير السيولة بحلول 15 الجاري، يتوقف دفع بعض الرواتب. بعد يومين أو ثلاث، قد تتوقف وزارة المالية عن تسديد كافة التزاماتها.
ومع دخول نوفمبر يتزايد العجز باستحقاقات تبلغ حوالي 60 مليار دولار. وحصول أي منها يهز الدولار والنظام المالي الأميركي وبالتالي العالمي. كما جرى في أزمة 2008. ولتحاشي الوقوع في هذه الهاوية، بدأت تظهر مؤشرات لترتيب مخرج مؤقت يحفظ ماء الوجه للطرفين. قوامه، الموافقة على الإفراج عن التمويل وبنفس الوقت رفع سقف الديون لاقتراض أي بيع سندات خزينة مبلغ يكفي لفترة 4 أو 6 أسابيع. يقدر بحوالي تريليون دولار.
مأزق
في ضوء المأزق الحالي، الخيارات غير هذا المخرج شبه معدومة. وباتت بحاجة إلى صيغة لتجاوز الأزمة ولو إلى حين. الجانب الجمهوري وضع نفسه في زاوية ضيقة لا جدوى منها. لا يقوى على نسف أو حتى على قضم قانون الرعاية الصحية. رصيدهم الشعبي هبط أكثر من الرئيس. ذريعتهم بأن الرئيس لا يحاورهم، واهية. والمساومة على قانون ناجز أقرب إلى الابتزاز. الرئيس أيضاً بحاجة إلى مثل هذا المخرج.
تبقى العقبة المتمثلة بحفنة يمين اليمين المتشبثة بموقفها على طول الخط، حتى ولو أدى ذلك إلى إعلان أميركا عن عجزها عن تسديد فواتيرها وفوائد ديونها.
وهو تشبث يحكمه مزيج من العوامل، الإيديولوجية والسياسية، فضلاً عن اعتبارين مخفيين: الإصرار على تدمير رئاسة أوباما وبأي شكل من الأشكال. وثانياً، أن ما ينطق به هذا الجناح ليس سوى تعبير عن تأزم وضع بات يرفض اصحابه ورموزهم في الحكم، الاستمرار في سياسة التقديمات الاجتماعية وتحمّل كلفتها.
بل هو يحاول الانقلاب على مثل هذه التقديمات التي تحققت منذ ثلاثينيات القرن الماضي وتقليص مجالها مقدمة للتخلص منها. وليست محاولة الارتداد على قانون الرعاية الصحية، تحت غطاء خفض العجز وتقليص الديون، سوى الحلقة الأبرز في هذه المعركة.
تراكم
بدأت مضاعفات الأزمة بالتراكم. فالدوائر المقفلة أدت إلى وقف تصريف المعاملات والخدمات الإدارية اللازمة لتسيير أمور الناس والشركات، حيث توقف أو تباطأ الكثير من إصدار إجازات التصدير والاستيراد لبضائع تجارية تتراوح بين أجهزة الكمبيوتر ومشتقاتها وبين تجارة الحديد والأخشاب وغيرها. كما توقفت مرافق ومنها أمنية حيوية عن ممارسة مهامها. ووزارة الخارجية مثلاً تشكو من النقص في الأجهزة الموكل إليها ضبط مراقبة العقوبات على إيران.
بعض المسؤولين ألغى سفره إلى الخارج للقيام بمهمات رسمية، بسبب عدم توفر المخصصات المالية ونفقات السفر. لكن كل هذه المضاعفات تصبح باهتة، على ما يقول المعنيون؛ مقارنة بالتداعيات التي يتركها وقوع المحظور المتمثل بالعجز عن الوفاء بالموجبات المالية المترتبة على الخزينة الأميركية.
