الصراع حول بنود الموازنة الأميركية أو بالأحرى حول الاستمرار المؤقت بالإنفاق حسب معدلات السنة المالية الماضية التي انتهت في 30 سبتمبر، حيث لا اتفاق بعد حول موازنة 2014 التي بدأت 1/10 تحوّل من لعبة عضّ على الأصابع بين البيت الأبيض وخصومه الجمهوريين؛ إلى تناحر ينذر بعواقب " كارثية ".

 خاصة إذا ما طالت جولته وتداخلت مع الاستحقاق الأكبر والأخطر المتمثل بنفاد سيولة الخزينة في 17 الجاري وحاجتها بالتالي للاقتراض، الذي يتطلب موافقة مجلسي الكونغرس. ومجلس النواب يرفض حتى اللحظة، تمرير الأسهل. أي تمويل العمل الحكومي لمدة قريبة. وليس ما يشير إلى مخرج قريب.

ولقاء الرئيس أوباما بقيادات الكونغرس من الحزبين، لم يسفر عن أي حلحلة. بقي التباعد على حاله. الأمر الذي بات يرجح ليس فقط استمرار شلّ عمل الحكومة الفيدرالية، بل تعذّر حمل الكونغرس على إعطاء الضوء الأخضر لرفع سقف ديون الخزينة وبما يمكّنها من القيام بالتزاماتها المالية. وبالذات تسديد الفوائد المترتبة على ديونها السابقة.

العجز عن ذلك يوازي الإفلاس. على الأقل لأنه غير مسبوق في تاريخ أميركا. وبذلك فهو مشحون بمضاعفات وخيمة على الاقتصاد الأميركي واستطراداً العالمي. وثمة تحذيرات تتحدث عن "خطر العودة إلى أزمة 2008 وربما أكثر"، بكل اهتزازاتها المالية والاقتصادية؛ إذا ما استمر الانسداد في التمويل ثم لاحقاً في توفير السيولة.

حزب الشاي

العقدة في مجلس النواب. الغالبية فيه للحزب الجمهوري. تتحكم بها وبرئيس المجلس، أقلية تمثل أقصى اليمين. يصر هذا الجناح، المعروف باسم "حزب الشاي"، على ربط تمريره للتمويل بتعطيل أو بتأجيل كل أو بعض جوانب قانون الرعاية الصحية، الذي بات بمثابة الماركة المسجلة لرئاسة أوباما. كما تربط موافقتها على الاقتراض العام بأن يقابله خفض مواز بقيمته، في بنود الإنفاق بالموازنة الفيدرالية. لا الأول ممكن ولا الثاني عملي. الربط في الحالتين تعجيزي. يتذرع "الشاي" بعجز الموازنة ونسبة الديون العالية. الأول بدا في الهبوط. ولو البطيء. المديونية العامة صحيح عالية.

باتت توازي بل تزيد قليلاً على حجم الإنتاج القومي العام. لكنها ليست حالة فريدة. اليابان تبلغ ديون خزينتها، ضعفي إنتاجها القومي. مزاعم اليمين على وجاهتها الرقمية والتقنية، لا تبرّر تصلّبها. رفضته قيادات وقوى من الحزب الجمهوري نفسه، في الكونغرس وخارجه؛ مثل غرفة التجارة الأميركية النافذة والمؤيدة تقليدياً للجمهوريين. أيضاً حذرت منه قيادات في سوق المال، وول ستريت، بنيويورك. لقد سبق وحصل مثل هذا التصادم بين الرئيس والكونغرس، حول الموازنة. أيام الرئيسين ريغان وكلينتون. توقف خلالها العمل الحكومي لأيام. لكن سرعان ما تمّ تدارك المسألة بتنازلات متبادلة، كانت دائما أجواؤها ميسورة. الآن تختلف الأمور تماماً.

هجمة ماكارثية

العقبات ليست سياسية فقط، بل أيضاً وأساساً إيديولوجية وشخصية. ثمة هجمة ماكارثية عمياء في أميركا. المحافظون عموماً واليمين المخشّب منهم، لا يطيق رؤية قانون الرعاية الصحية وقد دخل التنفيذ في أول يناير المقبل. يزعم من باب التهويل أن أعباءه "تهدّد" الاقتصاد الأميركي! علماً بأن هذه الرعاية منقوصة.

وأن الولايات المتحدة هي البلد الصناعي الوحيد الذي لا يملك نظام ضمان صحي كامل شامل لمواطنيه. ومن مزاعمهم أن تدخل الدولة في هذا المجال "يصادر حرية الاختيار" لدى الأميركيين، وبذلك فهو نموذج "اشتراكي" يتعمد أوباما فرضه عليهم! لكنها حسب الرأي السائد في واشنطن ما خلا المحافظ منها، ليس سوى مزيج من الذرائع الواهية والتحريض الفاقع الذي يخفي حقيقتين:

الأولى أن القوى المحافظة تخشى من دخول قانون الرعاية الصحية حيز التنفيذ، بعد أقل من ثلاثة اشهر؛ لأنه من المتوقع أن يؤدي، بالرغم من تعقيداته ونواقصه، إلى خفض كلفة التأمين والطبابة الأغلى في العالم وبما يحمل غالبية الأميركيين على التمسك به كمكسب يصبح من المتعذر حرمانهم منه. تماما كما هو الحال بالنسبة لمكاسب الضمان الاجتماعي والضمان الصحي للمسنين، التي تحققت في ثلاثينات القرن الماضي .

وتحوّلت إلى ما يشبه الحق المحظور مسّه. الحقيقة الثانية، أن علاقة هذا الفريق ورموزه في الكونغرس، مع الرئيس أوباما ليست أقل من علاقة عداء وكراهية، تتندر كواليس ومنابر واشنطن بسيرتها. هي أبعد بكثير من خصومة سياسية. من البداية أخذ هؤلاء على عاتقهم تخريب رئاسة أوباما ووضع العصي في دواليبها على طول الخط. وبذلك، يقول العارفون إن العلاقة الراهنة غير مشهودة، بين الكونغرس والبيت الأبيض.

وإذا كان ثمة من يأخذ على الرئيس بأنه يتعامل مع الكونغرس إجمالاً وبالذات مع الجمهوريين "بقدر من الاستعلاء"، فإن ذلك على صحته إلى حدّ بعيد، أتى من باب رد الفعل. وبكل حال ليس فيه ما يسوّغ أجواء الاستعداء ضده.

لكل تبدو الجسور مقطوعة بين الطرفين. إسقاط هذه المناخات على الموازنة والديون.