يمر الاقتصاد العالمية بتغيرات جذرية في الفترة الاخيرة، أهمها ارتفاع مساهمة الدول النامية والأسواق الصاعدة في دفع عجلته، بعدما اعتراها البطء منذ أزمة الائتمان العالمية الاخيرة، والتي لاتزال تلقي بظلالها على اقتصادات بعض المناطق، بما فيها الدول المتقدمة.
وأهم ما يميز تلك التغيرات هو الزيادة التي سجّلتها نسبة مساهمة البلدان النامية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق ما أشار إليه أحدث تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد).
وأدَّى اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، في البداية، إلى تعزيز هذا الاتجاه، حيث تراجع النمو في البلدان النامية في الفترة 2008 - 2009 بوتيرة أبطأ بينما عاد لينتعش بشكل أسرع مقارنةً بما حدث في البلدان المتقدِّمة.
ونتيجةً لذلك، انخفضت نسبة مساهمة البلدان المتقدِّمة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 79 % في عام 1990 إلى قرابة 60 % في عام 2012 ، بينما زادت حصة البلدان النامية بأكثر من الضعف، او من 17 % إلى 36 %، في الفترة نفسها، وبدأ معظم هذا التغيُّر ابتداءً من عام 2004.
إلا أن التطورات الاقتصادية التي شهدتها البلدان المتقدِّمة تظل تشكل عاملاً حاسماً بالنسبة للنمو في البلدان النامية.
فالواقع أن تراجع وتيرة النمو في هذه المجموعة الأخيرة من البلدان خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وخصوصاً في الفترة 2003 - 2007، كان مرتبطاً بتزايد نسبة التجارة الدولية في تكوين الطلب الكلي في هذه البلدان.
التوجه الخارجي
ومما أسهم في نمو البلدان النامية تزايد توجهها نحو الخارج، مقترناً بالبيئة الاقتصادية الخارجية المواتية عموماً، مثل تزايد واردات البلدان المتقدِّمة، خاصة الولايات المتحدة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، ولاسيما في السنوات الخمس السابقة لاندلاع الأزمة الحالية.
غير أن استراتيجية النمو الموجّهة نحو التصدير تعني زيادة القابلية للتأثُّر بتردّي البيئة الخارجية، مثلما حدث منذ عام 2008 .
فقد كان للصدمات الدولية التي شهدتها الفترة 2008 - 2009 فيما يتعلَّق بالأسعار والطلب تأثيرٌ شديدٌ على كل من مصدري السلع الأولية ومصدري المنتجات المصنّعة.
وكان الانتعاش الذي حصل لاحقاً أكثر سرعةً وكان تأثيره المفيد أكبر على البلدان التي تتألف صادراتها من نسبة كبيرة من السلع الأولية، مقارنةً بتلك البلدان التي تصدِّر منتجات مصنّعة أساساً.
ويدل ضعف الطلب من البلدان المتقدِّمة على أنه قد يتعيّن أن يكون للتجارة بين الجنوب والجنوب دورٌ أكبر في ستراتيجيات نمو البلدان النامية.
وفي هذا الصدد، تنطوي هذه التجارة على إمكانات أكبر مما كان عليه الحال في الماضي وذلك بالنظر إلى أن نسبة التجارة بين دول الجنوب بعضها البعض في مجموع التجارة العالمية قد ارتفعت من مستوى يقل قليلاً عن 30 % في عام 1995 إلى مستوى يزيد قليلاً عن 40 % في عام 2012 .
وعلاوةً على ذلك، عادةً ما تكون نسبة المصنوعات في صادرات بلد من البلدان النامية إلى بلدان نامية أخرى، والقيمة المضافة في هذه التجارة، أعلى بكثير مما تكون عليه في صادرات هذا البلد إلى البلدان المتقدِّمة، ما يدل على الدور الإنمائي المحتمل للتجارة فيما بين دول الجنوب.
القدرات الإنتاجية
ويتطلب تكييف القدرات الإنتاجية مع التغيرات في تكوين الطلب الكلي في الاقتصادات النامية والانتقالية إتاحة وصول منتجيها، بكلفة منخفضة وعلى نحو يمكن التعويل عليه، إلى الموارد المالية اللازمة للاستثمار الإنتاجي.
ورغم توفر قدر كبير من السيولة في النظم المصرفية للبلدان المتقدمة الرئيسية، تسود حالة عدم تيقُّن شديدة الحدة في الأسواق المالية.
وهذا يزيد من مخاطر تأثر الأسواق الناشئة بالاضطرابات الناجمة عن سلوك الأسواق الرأسمالية الدولية، بالنظر إلى أن الاستثمار في العديد من البلدان كثيراً ما أُعيق من جراء تقلُّب البيئة المالية الدولية، وهشاشة النظم المصرفية الوطنية، وضعف المؤسسات المالية المحلية.
وهذا يطرح تحديات أمام السياسة المالية في الاقتصادات النامية والانتقالية.
أولاً، تحتاج هذه الاقتصادات إلى حماية نُظُمها المالية الوطنية من تقلُّبات العمليات المالية الدولية، وثانياً، ينبغي لصناع السياسات أن يستخلصوا الدروس الصحيحة من الأزمات المالية الماضية، ومنها بصفة خاصة أن وجود قطاع مالي غير خاضع لضوابط تنظيمية ينزع إلى التسبُّب بحدوث عدم استقرار اقتصادي وإساءة تخصيص للموارد.
وثالثاً، ينبغي لواضعي السياسات أن يضعوا نصب أعينهم جعل نظمهم المالية المحلية، ولاسيما نظمهم المصرفية، داعمة بدرجة أكبر للاستثمار في القدرات الإنتاجية الحقيقية.
معاناة الدول المتقدمة
وتدل الصعوبات التي تواجه البلدان المتقدِّمة، في سعيها لإيجاد الطريق الذي يفضي بها إلى مسار انتعاش مستدام في أعقاب الكساد الذي شهدته الفترة 2008 - 2009 على أن الأزمة الأخيرة تتسم بطابع مختلف تماماً عن طابع الأزمات الدورية التي حدثت في الماضي.
ففي الفترة من عام 2008 إلى 2012 ، بلغ متوسط معدل نمو الناتج العالمي 1.7 % فقط، وهو معدل أبطأ بكثير مما كان عليه خلال أي فترة من الفترات الخمسية السنوات التي أعقبت حالات الكساد التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي.
وفي ظل هذا الوضع، يلزم انتهاج سياسات توسعية لحفز الطلب المحلي واستعادة ثقة الأسر والشركات. إلا أنه بدلاً من ذلك، لايزال صناع السياسات يركزون اهتمامهم على استعادة ثقة الأسواق المالية.
ومن العناصر المحورية لهذه الاستراتيجية المنتهجة في البلدان المتقدمة ما تمثل في تدابير التقشف المالي القائمة على أساس اعتقاد مفاده أن نِسَب الدين العام المرتفعة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نشوء اتجاه عام لتفادي الدين السيادي الذي يمكن أن يفضي إلى زيادة علاوات المخاطر، ويفرض بالتالي أعباء ديون أشد وطأة على المالية العامة.
ولم تؤدِّ هذه الاستراتيجية إلى تحقيق النتائج المرجوة. فنتيجة الانكماش المالي قد أثرت تأثيراً سلبياً على النمو وخلق فرص العمل، لأن الزيادة المتوقعة في الطلب الخاص لم تتحقق في الواقع لكي تعوض أو تتجاوز مستوى التخفيضات في الإنفاق العام.
ويُضاف إلى ذلك أن أن بلدانا عديدة تربط بينها علاقات تجارية قوية لاتزال تطبق برامج تقشف، وفي الوقت نفسه ضاعف التأثير الانكماشي لهذه البرامج بنفس الطريقة التي أدت بها المحفزات المالية المتزامنة في عام 2009 إلى تحقيق نتائج إيجابية جداً.
الاكثر من ذلك، ثبت أن السياسات النقدية ليست ناجعة، بالنظر إلى أن التوسع النقدي القوي لم يتمثل في شكل زيادة في القروض المقدمة إلى القطاع الخاص. وهذا يدل على أنه ما لم تكن هناك فرص لحدوث نمو في الطلب، لا يكون تزايد توافر القروض المتاحة كافياً لحفز الاستثمار الخاص وخلق فرص العمل.
السياسة المالية
دلت التجربة على أنه من الممكن أن يكون للسياسة المالية التوسعية تأثير قوي بصفة خاصة. فالهدف المشروع المتمثل في تحسين الموازين المالية يُرجَّح أن يتحقق من خلال زيادة الطلب الكلي ثم القاعدة الضريبية وليس من خلال الانكماش المالي الذي يقلص الدخل ويحدّ من نمو العمالة.
ويضاف إلى ذلك أن عمليات المصارف المركزية التي تركز على التقليل من مخاطر الديون السيادية والحفاظ على أسعار فائدة منخفضة هي عمليات من شأنها أن تتيح خفض تكاليف خدمة الدين العام وبالتالي تقليص نسب الدين العام المتوسط إلى الطويل الأجل التي تعتبر مرتفعة إلى حد مفرط.
على الرغم من الفوارق البارزة في الأداء الاقتصادي لمختلف المناطق.
