أمام واشنطن استحقاقات مالية واقتصادية، عاجلة. وكلها من الوزن الثقيل، الذي ينطوي على مضاعفات وآثار ليس على الأوضاع الأميركية فحسب بل على الأوضاع العالمية؛ باعتبار أن الاقتصاد الأميركي، بحجمه كمّا هو قاطرة الاقتصاد العالمي، ولأن الدولار هو عملة الاحتياط في العالم.

ومن المؤكد أن أزمة الاقتصاد الأميركي تتطلب تحوّلات فارقة في السياسات المالية والضريبية والإنفاقية، تتعدّى اللعبة السياسية ومناوراتها بين البيت الأبيض والكونغرس والتي لم تقو على تجاوز الترقيع والتلميع في معالجاتها.

وزاد تزامن هذه الاستحقاقات من أهميتها محلياً ودولياً، بما جعل من كيفية معالجتها والتعامل معها محطّ متابعة من جانب كافة العواصم ومؤسسات المال والاستثمار في الولايات المتحدة وفي العالم وبنوكه المركزية.

وأضافت إلى القلق ولو أنها ضمنت فسحة من الاستقرار للأسواق في المدى المنظور الخطوة التي اتخذها البنك المركزي الأميركي يوم الأربعاء، خلافاً للوعود والتوقعات؛ بتمديد برنامج التحفيز الذي كان قد أطلقه العام الماضي والرامي إلى تحريك عجلة النمو الاقتصادي وبالتالي خفض معدلات البطالة والعجز في الموازنة، وصولاً إلى وقف نزيف الديون العامة.

لاسيما وأن هذه الخطوة جاءت في الوقت نفسه الذي يحتدم فيه الخلاف بين إدارة أوباما والمحافظين في الكونغرس، خاصة في مجلس النواب؛ حول أمرين حيويين: إقرار الكونغرس لمخصصات الموازنة قبل نهاية السنة المالية التي تنتهي في آخر سبتمبر الجاري؛ وبما يضمن مواصلة الإنفاق وبالتالي استمرار العمل الحكومي.

ثانياً، موافقته، قبل منتصف أكتوبر المقبل، على رفع سقف الديون العامة وبما يسمح للإدارة اقتراض ما تحتاجه من مال، عبر إصدار سندات الخزينة؛ كي تفي بالتزاماتها الإدارية الداخلية، كما بتسديد المستحقات من ديون الخزينة وفوائدها.

الإنفاق الحكومي

مسألة الاستمرار في الإنفاق الحكومي، تتحكم فيها السياسة والأيديولوجيا بدرجة عالية. خاصة منذ بداية عهد أوباما. استراتيجية خصومه الجمهوريين في الكونغرس، تقوم على عرقلة رئاسته لإفشالها بأي طريقة.

المفتاح يكمن في التخريب على مشاريعه الداخلية من خلال قضم أو منع تمويلها. الكونغرس يملك مفتاح خزينة الدولة. هو الذي يخوّل، بموجب قوانين محدّدة يصدرها على انفراد؛ المؤسسات الحكومية بصرف مخصصاتها.

وإذا تعذر تمرير الموازنة كما هي الحال منذ 2009، يصار إلى اعتماد آلية "الصرف المتواصل". أي السماح في الإنفاق بالمعدلات السابقة نفسها ولغاية صدور بديل عنها. لكن هذا السماح مرهون بموافقة مجلسي الكونغرس وبتوقيع الرئيس عليها.

وهنا يكمن المأزق في عهد هذا الكونغرس وبالتحديد مجلس النواب فيه، المناوئ إلى حدّ العداء للرئيس أوباما. فهو من جهة لا يمرّر الموازنة ومن جهة أخرى يشاكس في تمرير السماح بمواصلة الإنفاق الحكومي كما كان عليه في السنة الماضية. يربط موافقته بخفض النفقات. عملياً بقطع أو خفض تمويل البرامج الاجتماعية التي تنحر سياسات والتزامات أوباما في الصميم.

ومنها مثلاً، برنامجه الذي سبق وأقره الكونغرس الديمقراطي في 2009 بخصوص إصلاح الضمان الصحي. أو اشتراط خفض مخصصات المعونات الغذائية التي يستفيد منها 48 مليون من فقراء أميركا من ذوي الدخل السنوي الذي لا يتجاوز 12 ألف دولار بكلفة 75 مليار دولار. من دون موافقة مجلسي الشيوخ والنواب.

حافة هاوية

في عام 2011 وصل هذا المأزق إلى حافة هاوية وقف العمل الحكومي، حين أصرَ مجلس النواب على شروطه التعجيزية. ولم يتزحزح إلاّ بعد وعد بخفض يحصل بصورة تلقائية في ربيع 2013 إذا لم يتم التوافق على صيغة للموازنة. وهكذا كان.

لكن الخروج من المأزق آنذاك، أي 2011، بهذا الشرط وبعدما لاح احتمال إغلاق الحكومة لأبوابها؛ كان له ثمن كبير. فلأول مرة تقوم إحدى مؤسسات التصنيف الائتماني ستاندردز أند بورز بخفض مرتبة الولايات المتحدة الائتمانية من ممتاز إلى درجة أدنى. قرار هزّ الثقة والأسواق وساهم في زيادة لجم الانتعاش الاقتصادي.

لو أن أميركا ليست بلد الدولار، لكان ضاق أو ربما انسدّ أمامها باب الاقتراض. تلك الهزّة التي سبقتها أزمة مماثلة أيام الرئيس كلينتون تسبب بها الجمهوريون وكانت كلفتها خسارتهم للأكثرية في مجلسي الكونغرس، لا تسمح اليوم لمجلس النواب بتكرارها.

ولو أن هناك الآن ما يقارب الخمسين نائباً من عتاة اليمين يطلق عليهم لقب الفوضويون ومعهم عدد قليل جداً من أعضاء مجلس الشيوخ، ما زالوا مصرين على التصويت ضد ولو أدّى ذلك إلى شلّ عمل الحكومة.

لكن بالنهاية لن يتمكنوا لوحدهم من سدّ حنفية التمويل الحكومي، في آخر الجاري. فهذه المسألة باتت بحكم المنهية. لكن مؤقتاً. ربما حتى أواخر السنة. هي مؤجلة كمشروع أزمة. وهذا بحدّ ذاته عائق يحدّ من القدرة ومن السرعة على التعافي الاقتصادي حسب الخبراء.

انتهاء صلاحية الاقتراض

المشكلة الأخطر، موعدها في أواسط أكتوبر، عندما تنتهي صلاحية الحكومة على الاقتراض لتمويل وتسديد متوجباتها. الموارد شحيحة، بحكم انخفاض إيرادات الخزينة؛ في ظلّ نمو اقتصادي متعثّر.

ويقرن الكونغرس، خاصة فريقه الجمهوري، موافقته المطلوبة على التسليف بخفض موازٍ في النفقات. ذريعته أن المديونية العامة باتت عبئاً ثقيلاً. تجاوزت 16 تريليون دولار. أي ما يزيد على إجمالي الدخل القومي، المتراوح بين 13 و14 تريليون دولار.

وفي هذا تجاوز للخط الأحمر، وفق المقاييس المعتمدة. في الاتحاد الأوروبي لا يجوز أن يزيد على 60% من الدخل القومي. لكن في اليابان وصل حسب أرقام 2011، إلى 204%. ما يشفع في الحالة اليابانية، أن 5% فقط من ديونها العامة، مموّل من الخارج. بينما في الحالة الأميركية تصل هذه النسبة إلى ستة أضعافها.

بكل حال اعتراض الجمهوريين، على وجاهته الحسابية، ليس هو الدافع الأساسي وراء رفضهم لرفع سقف الدين من غير شروط قاسية بخفض الإنفاق. المحرك سياسي وأيديولوجي.

هو في جوهره، عدا عن مناكفة أوباما، إصرار على تحرير الموازنة من معظم الالتزامات الاجتماعية أو تقليصها إلى آخر الحدود الصحية منها والتربوية والإعانات التموينية وغيرها ، بحيث يفسح ذلك في المجال لخفض الضرائب على رؤوس الأموال والاستثمارات والتوظيفات المالية.

يقوم ذلك على زعم أن تخفيف الأعباء على الشركات وعالم الأعمال من شأنه زيادة فرص العمل والتوظيف وبالتالي تقليص البطالة. توجّه تمت تجربته أيام الرئيس بوش وبدلاً من البحبوحة قاد إلى أزمة 2008 التي ما زالت تداعياتها تجرجر وحتى إشعار آخر، وفق معظم القراءات الاقتصادية.

سقف الديون

مع ذلك، لن يقوى الجمهوريون في النهاية، على تحمل مسؤولية رفض رفع سقف الديون. منعه يعني إعلان إفلاس أميركا: لن يكون بإمكانها تسيير قطارها الحكومي، كما تعجز عن تسديد ديونها وفوائدها. وصفة انهيار مع كل تبعاته الاقتصادية والتجارية والمالية، في الداخل والخارج.

النظام المالي يتخلخل ومعه الثقة بالدولار المعتمد كعملة احتياط في ثلثي الاحتياطي المالي العالمي، فضلاً عن حركة القروض والتجارة التي يجري 75% منها بالدولار بالإضافة إلى مبيعات النفط كلها.

والغريب أنه مع كل هذه المخاطر فما زال هناك من يلوّح بهذا الخيار المهلك. والأنكى أن المهدّدين به هم من اتباع مدرسة الانفلات المالي الذي انفجر قبل خمس سنوات وأدّى إلى المأزق الراهن. لكل ذلك، يستبعد المراقبون انسداد باب الاقتراض.

استمرار ضخ السيولة

لكن الخشية الأكبر تبقى في استمرار ضخ السيولة من جانب البنك المركزي، لإنعاش النمو الاقتصادي الذي يبدو وكأنه بات مدمناً على المراوحة.

كانت التوقعات المبكرة أن يصل معدل النمو الأميركي في هذا العام إلى 2.9%. التقديرات الآن هبطت إلى أقل من 2.3%. الأمر الذي حمل البنك المركزي على الإعلان أمس الأربعاء عن نيته بالاستمرار في شراء صكوك ورهنيات بقيمة 85 مليار دولار شهرياً.

وكان قد بدأ هذا البرنامج السنة الماضية كوسيلة تحفيز اقتصادي، إلى جانب الإبقاء على سعر الفائدة في جوار الصفر بالمئة. ومنذ الأزمة بلغ ما ضخّه البنك في هذا البرنامج وغيره ما يقارب أربعة تريليونات دولار. في مايو الماضي بدا أن هذا التوجه قد اقترب حصاده.

آنذاك أعرب مدير البنك عن اعتقاده بأن عملية الدعم هذا قد تنتهي في أواخر العام الجاري لأن الاقتصاد على طريق التعافي القريب. فجأة يتراجع ويعلن الاستمرار بالبرنامج ليس حتى أواخر العام بل ربما حتى العام المقبل.

مواصلة ضخ النقد كان له صداه الجيد في أسواق المال. لكن الجانب الثاني منه حمل إشارات سلبية؛ حملت على التخوف أو عدم استبعاد أزمة مالية لاحقاً. توفير السيولة بهذه الطريقة، يخلق نوعاً من الحلحلة. لاسيما وأنه يترافق مع انخفاض سعر الفائدة.

لكنه ليس من نوع التحفيز المطلوب، لأنه لا يتجه إلى الإنفاق في القطاعات التي توفر فرص العمل وبالتالي تؤدي إلى هبوط البطالة، مثل البنية التحتية وغيرها؛ كما يقول بول كروغمن الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والأستاذ في جامعة برنستون. فما يقوم به البنك المركزي معالجة مؤقتة تراهن على شراء الوقت علّه يأتي بالانتعاش، الذي بدا من تمديد هذا البرنامج أنه ما زال في ذمة الغيب.

بل هناك من سبق وحذر من التمادي في لعب ورقة الضخ المالي باعتبارها "ليست بالاقتصاد الحقيقي، حيث هي أقرب إلى فقّاعة لا بدّ وأن تنفجر في وقت ما"، كما يرى دافيد ستوكمن الخبير الاقتصادي والمدير الأسبق لمكتب الموازنة الفيدرالية.

 

رئاسة الاحتياطي الفيدرالي

 

وسط أجواء مالية غير مستقرة، على الرئيس أوباما ترشيح خلف لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) بن برنانكي، الذي تنتهي ولايته في آخر يناير المقبل. وكان أحد المرشحين المفضلين، كما قيل، لاري سامرز الوزير أيام كلينتون والمستشار الاقتصادي للرئيس أوباما في ولايته الأولى.

لكنه أعلن انسحابه وسط اعتراضات في الكونغرس، على أرضية أنه من دعاة حلحلة الضوابط المالية التي يرى كثير من الاقتصاديين أن رخاوتها قادت إلى الأزمة. المرشحة المرجحة، على ما يتردد، نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي جانيت يلين التي تحظى بدعم وإشادة أطراف عديدة من بينها 400 اقتصادي رفعوا توصية بتعيينها.

والمعروف عنها أنها على خلاف سامرز، ليست من دعاة تخفيف الضوابط المالية على المصارف والمؤسسات المالية. كما تعتبر كرمز لاستمرارية سياسة برنانكي الذي رسّخ توسّع صلاحيات البنك التي اكتسبها بحكم الأزمة المالية. صلاحيات تتجاوز الحقل النقدي لتصل بتأثيرها إلى الحقل الاقتصادي ومحركاته.

لكن أياً كان القادم لرئاسة البنك ومهما كانت تأثيرات سياساته؛ يبقى أن الأزمة أبعد من أن تعالج بالتلميع الذي يقوم به البنك منذ 2008؛ كما أنها تتطلب تحوّلات فارقة في السياسات المالية والضريبية والإنفاقية، تتعدّى اللعبة السياسية ومناوراتها بين البيت الأبيض والكونغرس والتي لم تقو على تجاوز الترقيع في معالجاتها.