شهدت الفترة ما بين عامي 2008 - 2012 ارتفاعاً حاداً في تكاليف الإقراض بسبب التغيّر الكبير في أوضاع البنوك الأوروبية، ويقول فرانسيسكو كينتانا، كبير الاقتصاديين في شركة «آسيا للاستثمار» المتخصصة في الاستثمار في الأسواق الآسيوية الناشئة إنه بعد الانهيار المالي في عام 2008، تم تضييق اللوائح المصرفية.

حيث أجبرت اتفاقيات بازل 3 البنوك على أن تفصح عن مستويات المخاطرة العالية المتعلقة بالعديد من أصولها. وفرضت البنوك المركزية الأوروبية قوانين أشد على بنوكها، ما نتج عنه انخفاض كبير في مستوى القروض، وخصوصاً القروض التي تقدم للأسواق الناشئة.

فقد أثّرت القوانين الجديدة في العديد من تجّار السلع الزراعية في إفريقيا وأميركا الجنوبية، إلا أن الأثر كان أكبر في آسيا التي عادة ما تحصل على التمويل من بنوك فرنسية وإسبانية وبريطانية، وهي التي كانت الأكثر تأثراً بالقوانين الجديدة. وقد انخفض إجمالي القروض الأوروبية المقدمة إلى آسيا عقب الأزمة المالية وانهيار بنك ليمان.

حيث انخفض مستوى القروض من 926 مليار دولار في بداية عام 2008 إلى 765 مليار دولار خلال عام واحد. ولم يتأثر التمويل الأميركي ببازل 3، إلا أنه مصدر محدود للتمويل بالنسبة للشركات الآسيوية. وفي عام 2008 بلغت القروض الأميركية إلى القطاع الخاص الآسيوي 273 مليار دولار، أي أقل بنسبة 30% من القروض الأوروبية لآسيا.

وقد ارتفع مجموع القروض التي تحصل عليها آسيا بمعدل 20% سنوياً في عامي 2009 و2010، ليصل المجموع إلى 1200 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2011. ولكن مع تشريع أغلب البنوك المركزية حول العالم للقوانين الجديدة، بدأ هذا التوجه بالانعكاس.

حيث انخفضت الديون الجديدة بمعدل 7% خلال أقل من عام، وشبه توقفت عن الإصدار منذ ذلك الحين. ومن المحتمل أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه، مع بقاء كل من القطاع العام والخاص والمالي في أوروبا مثقلة بكميات كبيرة من الديون، كما هو الحال في كل من الولايات المتحدة الأميركية واليابان. وقد تأخذ فترة تقليص المديونية ما بين خمس إلى عشر سنوات، لن تتمكن خلالها البنوك الأوروبية من الإقراض بنفس النمط السابق.

حلول

وقد قامت الشركات في آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي بأمرين للحصول على التمويل. قامت أولاً بإصدار سندات بدلاً من القروض التي لم تعد تستطيع الحصول عليها. وبحسب صحيفة «فاينانشال تايمز»، «حصلت شركات الأسواق الناشئة من السندات على ثلاثة أضعاف التمويل الذي تحصل عليه من القروض البنكية، وهي أكبر فجوة في أحجام ومصادر التمويل منذ عشر سنوات على الأقل». وثانياً توجهت هذه الشركات إلى البنوك التجارية الآسيوية والأميركية للحصول على بدائل ومصادر أخرى للتمويل.

فاستمر التمويل الأميركي لآسيا بالنمو، ليعادل الآن 40% من إجمالي القروض الأوروبية، أي بارتفاع معدله 28% عن عام 2008. إلا أن الفراغ الذي يتركه انخفاض التمويل الأوروبي لآسيا يشكل فرصة استثمارية مجزية للدول التي تتمتع بفائض اعتيادي في الحساب الجاري مثل دول مجلس التعاون الخليجي. فمن الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي تستطيع أن تستفيد من الفجوة التمويلية الموجودة حالياً في التمويل التجاري.

ففي نفس الفترة التي تقلصت فيها الديون الأوروبية إلى آسيا بمعدل 5%، نمت الصادرات الآسيوية بمعدل 18%. ويشكل هذا الانخفاض في الائتمان بالنسبة لقطاع سريع النمو، فرصة للاستثمار ولتنويع المحافظ الائتمانية في مجلس التعاون الخليجي. فعلى عكس ما حدث بعد غزو نابليون وتراجع الروس في عام 1812 مخلفين وراءهم الأراضي المحروقة، تراجعت البنوك الأوروبية في عام 2012 مخلفة وراءها أرضاً خصبة للفرص.