عندما ضربت الأزمة المالية العالم في عام 2008، والتي وصفت بأنها الأسوأ منذ موجة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، علق العالم آمالاً عريضة على ما يُعرف بـ«الاقتصادات الصاعدة» بعد تعطل القاطرة الأميركية والأوروبية.
فبينما كانت اقتصادات كبرى في العالم وعلى رأسها الاقتصاد الأميركي والأوروبي تترنح تحت وطأة الضربة المالية، بزغ نجم اقتصادات آسيوية مثل الهند والصين من خلال أرقام النمو التي سجلتها اقتصادات تلك الدول، وصل البعض منها إلى 11 % في وقت كان فيه النمو في الاقتصاديات الغربية يتراوح ما بين 0- 1.5 %.
ولكن ما نشهده اليوم من تراجع كبير في منحى نمو اقتصادات تلك البلدان يجعلنا نتساءل إن كان ذلك النمو حقيقياً بالدرجة الأولى ومستداماً؟ وأن نعقد مقارنة ما بين نمو غير مستقر في ما يعرف بـ«الاقتصادات الصاعدة» ونمو مستقر متمثل في الاقتصاد الإماراتي.
خبراء
يجمع الكثير من الخبراء والمحللين على أن الإمارات كانت الأكثر حكمة في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وأنها نجحت في مواصلة النمو رغم أنه كان نمواً بطيئاً، ولكنه كان نمواً مستقراً وثابتاً جعل الإمارات أول من يخرج من تحت عباءة تلك التداعيات.
فطبقاً لـ«إيكونوميست إنتليجانس يونيت» قدرت معدل نمو الاقتصاد الإماراتي خلال العام الجاري بنحو 5.6% وتوقعت ارتفاعه إلى نحو 6% العام المقبل 2014، وهي توقعات تتطابق مع توقعات الشركات الأجنبية في الدولة، وهو نمو تجاوز نمو الهند ويقترب بقوة من نمو الصين مع الاختلاف بأن كلا الاقتصادين الهندي والصيني متعثر ويواجه تحديات جمة، فيما ينمو اقتصاد الإمارات بشكل مستقر وبثبات.
الإمارات لم تتوقف عن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية حتى في توقيت الأزمة المالية العالمية، كما لم يتوقف تدفق مزيد من الشركات العالمية الجديدة إلى أسواقها هرباً من اقتصادات بلدانها المتعثرة وإيماناً منها بأن الإمارات هي الضامن لنجاح وتوسعات أنشطتها التجارية في أسواق المنطقة والعالم انطلاقاً من بوابة دبي.
ناهيك عن ترقية أسواق الإمارات لأسواق ناشئة من قبل «مورغان ستانلي» أخيراً، والذي سيسهم في جذب كبير للرساميل وللصناديق الأجنبية لأسواق الإمارات، وهي ترقية تعزز بلا شك الثقة في أسواق واقتصاد الإمارات بشكل عام.
استكشاف
وبنظرة سريعة إلى ما آلات إليه «الاقتصادات الصاعدة»، نجد أن الاقتصاد الهندي شهد تراجعاً من نحو 10 % سجلت في عام 2012 -2011 إلى 4.4% في الفترة ما بين أبريل حتى نهاية يونيو الماضي من العام الحالي 2013، لتسجل بذلك الهند أقل معدل نمو لها منذ 10 أعوام، رغم توقعات صندوق النقد الدولي بنمو اقتصاد الهند إلى 5.6 % للسنة المالية 2013.
رغم أن العديد من الاقتصاديين يعتقدون أن تلك التوقعات مفرطة في التفاؤل، ناهيك عن تراجع الروبية الهندية الكبير، والذي يوصف بأكبر تراجع تشهده العملة الهندية منذ نحو 19 عاماً، حيث خسرت الروبية الهندية نحو 12% من قيمتها خلال شهر يوليو الماضي، في حين أن التراجع الحاد في قيمة الروبية الهندية يشكل مشكلة كبيرة، نظراً لأن واردات الهند من السلع تتجاوز صادراتها.
في حين تعرض سوق الأسهم الهندية إلى ضربة قوية في خلال الأيام القليلة الماضية، حيث تحول مؤشر «مومباي سنسكس» وبسرعة كبيرة إلى أحد أسوء المؤشرات أداء في آسيا. فيما أخفقت الهند حتى الآن في كبح مستويات التضخم المرتفعة وخفض معدلات الفقر والبطالة في الهند والحد من الارتفاعات الكبيرة في أسعار الغذاء.
تجاوب
وقد تجاوبت الحكومة الهندية مع تلك الضربات التي تلقاها الاقتصاد الهندي من خلال إعلانها لسلسلة من التغيرات في سياساتها، إلا أن أياً من تلك السياسات لم تثبت فاعليتها في خلق استقرار يواجه التقلبات الأخيرة.
ولعل تلك التقلبات دعمت الأصوات التي لطالما طالبت الحكومة الهندية بتنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية لتحقيق تقدم ملموس. في حين يرى الكثيرون أن الوقت قد نفذ لإجراء إصلاحات جديدة مع الانتخابات الوطنية المزمع إقامتها في مايو 2014.
تسامح
وترى بكين أنها مستعدة للتسامح مع نمو أبطأ لأنه يدفع إصلاحات تهدف للحد من التلوث وعدم المساواة الاجتماعية، والحد من نموذج النمو الاقتصادي الذي فيه اعتماد مفرط على الديون الممولة للبناء والصادرات.
ويرى الكثير من الخبراء الصينيين أنه من الصعب للغاية بالنسبة للصين الحفاظ على معدل نمو سريع بسبب التعديلات الهيكلية وتراجع فائض العمالة، ولكن يرون أن ارتفاع الاستهلاك، وزيادة التحضر واللحاق بركب النمو في المناطق الأقل نمواً سوف تشكل الدوافع الاقتصادية على المدى الطويل.
وقد أطلقت الحكومة الصينية سلسلة من الإجراءات الموجهة أخيراً لدعم الاقتصاد الصيني، بما في ذلك إلغاء الضرائب للشركات الصغيرة، وتقديم مزيد من المساعدات للمصدرين المتعثرين وتسريع الاستثمار في البنية التحتية والسكك الحديدية في المناطق الحضرية.
فيما لا تزال الصين تواجه تحدياً ربما هو الأكبر على المدى البعيد، وهو أن الشعب الصيني شعب مسن وهو نتاج سياسة الطفل الواحد التي تنتهجها الصين منذ سنوات بعيدة.
جدل
يجادل البعض بالقول إنه رغم أن معدل النمو الحالي لاقتصاد الصين أبطأ مما كان عليه في الماضي حتى في ذروة الأزمة المالية العالمية، إلا أن النمو الحالي للصين هو أكثر استدامة على المدى المتوسط والطويل، وأنه سينعكس إيجابياً على الاقتصاد العالمي في وقت يبلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة 1.2% فقط خلال العام الحالي 2013.
ربما علينا التساؤل مجــدداً، إن كان علينا ألا ننــخدع ببريق أرقام النمو الكبيرة التي تسجلها اقتصادات في العالم، وخاصة في ذروة الأزمات، وأن نركز أبصارنا نحو اقتــصادات ربما أرقام نموها ليست بالخيالية، ولكنها بالتأكيد حقيقية ومستدامة على المدى المتوسط والبعيد.
«التنين» المتعب
تشهد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم تراجعاً في نموها، رغم أنه ليس بحجم التراجع الكبير الذي تشهده الهند. وطبقاً لبيانات صندوق النقد الدولي بلغ معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الصيني عام 2007 ما نسبته 14.2 %.
ثم سرعان ما تراجع هذا المعدل إلى 9.6 % عام 2008، ثم إلى 9.2 % عام 2009، ثم ارتفع إلى 10.4 % عام 2010 ليتراجع إلى 9.3 % في 2011، وهوى إلى 7.8 % في العام الماضي 2012، في حين تباطأ اقتصاد الصين إلى 7.5 % في الربع الثاني من العام الحالي 2013 انخفاضاً من 7.7 % في الأشهر الثلاث الأول من العام الحالي 2013 وهو يعد التباطؤ التاسع من نوعه خلال العشرة أرباع الماضية.
