تتزايد أهمية الدعوة إلى التحليل الموضوعي للآليات الأساسية للأسواق والمؤسسات والمنتجات والقواعد، خاصة مع تعرض الصناعة المالية منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلى هجمة شرسة، حيث اعتراها الشك والأقاويل والآراء المتفاوتة وسوء الفهم التي ألقت بظلالها السلبية على الأزمة.
وبين من خلال آخر إصدار من "النظرة الاقتصادية" أن العديد من الناس بات لديهم اليوم شعور متناقض تجاه الاقتصاد المالي والنقدي.
فبالرغم من أننا راضون عن الازدهار الذي وصلنا إليه، إلا أننا ندرك أيضاً الطبيعة المتضاربة للصفقة التي أدخلناها حديثاً إلى الاقتصاد المالي والنقدي. فالأمن المالي لدينا يعتمد على نظام مالي مستقر وسياسة نقدية ذات مصداقية، لكن الناس العاديين ليس لديهم أي نفوذ شخصي على ذلك، ولا حتى بالمعنى الديموقراطي الرمزي.
فعندما أدرك الكثير من الناس عام 2008 عجزهم عن مواجهة المخاطر المحدقة بالنظام المالي، سادت حالة من الذعر وظهرت بعدها عقلية متناقضة شابتها بعض المخاوف والأساطير ، التي نراها اليوم في الرأي العام حول تعقيدات النظام النقدي والعالم المصرفي. باختصار يبدو من الجيد التمييز بين الطبيعة المتضاربة للاقتصاد المالي والنقدي.
هناك قلق من غياب القواعد التنظيمية فذلك قد يؤدي إلى حالة من الفوضى والخطر العام. الكثير من الناس يخشون من طلبات الشراء العفوية غير المألوفة لاسيما إذا كانت ناشئة من قوى السوق.
لكن كل واحد من المستثمرين في السوق الآسيوية المترامية الأطراف يعلم أن هذه الأسواق التي تنظم نفسها بنفسها، تقوم بإنشاء نظم وقواعد عفوية مثيرة للدهشة. حيث الأسواق تسعى دائماً نحو القواعد والنظام وتبتعد عن الفوضى.
وتأتي الحاجة إلى قواعد تنظيمية إضافية من أجل توقع الآثار الخارجية الناجمة عن قوى السوق والتي من شأنها أن تؤدي إلى تكاليف إضافية على عامة الناس.
يقدم خطر التكاليف الخارجية وليس الرغبة في المزيد من التنظيم، تبريراً للتدخل التنظيمي في الأسواق الحرة.
ولا يجب أن يحل التنظيم الحذر للسوق محل قوى السوق العفوية.
رغم الحجج الموضوعية وعدم الارتياح تجاه بعض المفاهيم العامة في الصناعة المالية والتي لا تزال قائمة.
فإن هناك نوعين من الأساطير التي تنتشر على نطاق واسع، واحدة تقول إن المضاربات المالية تنتج فقاعات الأسعار ونقصاً في الإمدادات، والثانية تلك التي تؤكد أن الصكوك المالية المشتقة تشكل خطراً كبيراً على النظام المالي.
فيما يتعلق بالمقولة الأولى فليس هناك سبب لافتراض أن المشترين في الغالب من الأسواق المالية حيث إن المشترين في النهاية إما سيربحون أو يخسرون والشيء نفسه ينطبق على البائعين.
أما فيما يخص المقولة الثانية المتعلقة بالمشتقات المالية التي تشكل أيضاً تحدياً خطيراً. فتكمن مخاطر هذه المشتقات على الأسواق المالية في تقسيمها إلى عناصر فردية وتخصيص هذه الأجزاء بطريقة تسمح للمستثمرين تحديداً بتحمل المخاطر التي يسعون فقط إلى التعرض لها.
تعزز هذه الميزة للمشتقات قدرة الأسواق المالية على تخصيص وتقييم المخاطر بشكل أكثر دقة. في عام 2008 لم تكن المشكلة في المشتقات المالية نفسها ولكن كانت بالطريقة غير الشفافة التي تم فيها تداولها من دون إشراف ما أدى إلى سلسلة من ردات الفعل أبرزها انتشار الأزمة.