تمكّنت ماليزيا من تحقيق نمو أفضل في الربع الثاني مما كان عليه الربع الأول من العام وذلك بفضل المستويات القوية في الاستهلاك والاستثمار، التي عوّضت عن الخسائر التي تكبدتها الدولة في قطاع التصدير.

وكان اقتصاد ماليزيا قد نما بنسبة 4.3% في الربع الثاني، ارتفاعاً من نمو بنسبة 4.1% سجلتها في الربع الأول، ولكن بمستوى أقل مما كان متوقعا أن تحققه وهو 4.9% لأن أداء قطاع التصدير الذي يمثل أغلب اقتصاد الدولة ما زال يدفع بالنمو إلى الانخفاض بسبب انخفاض أسعار السلع المصدّرة وأيضاً انخفاض الطلب الخارجي. وتتوقع شركة "آسيا للاستثمار" بأن المستويات العالية للاستهلاك والاستثمار ستساعد ماليزيا في تأمين معدل نمو لهذا العام سيفوق مستوى 4.5%.

وفي شهر أبريل الماضي، انخفض الفائض التجاري الماليزي إلى أدنى مستوياته منذ الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997 وهو ما زاد مخاطر أن تسجل ماليزيا عجزاً في ميزانها التجاري، والذي لو حدث، كان سيكون أول عجز تجاري تسجّله الدولة في 16 عاماً. وبدوره، زاد تدهور الميزان التجاري من العجز في الحساب الجاري الماليزي، ودفع ذلك تدفقات كبيرة من رؤوس المال إلى خارج ماليزيا في الوقت الذي يزداد فيه حذر المستثمرين.

فائض

وترى دانا فقير، محللة اقتصادية في "آسيا للاستثمار" المتخصصة بالاستثمار في الأسواق الآسيوية الناشئة أنه في الربع الأول من العام، بلغ الفائض في الحساب الجاري نصف ما كان عليه في الفصل الذي سبق.

ولكن من جهة أخرى، حافظ الاستهلاك والاستثمار على مستويات قوية، حيث ارتفع الطلب المحلي بفضل زيادة الإنفاق الحكومي التي جاءت قبل الانتخابات التي اختلف عليها الكثيرون في شهر مايو الماضي، كما ارتفاع الاستهلاك على خلفية ارتفاع ملحوظ في ثقة المستهلكين. فمن ناحية، منحت الحكومة ضعف الزيادات والعلاوات للموظفين المدنيين، هذا بالإضافة إلى الصدقات النقدية التي قدّمتها قبل الانتخابات.

كما وضعت الحكومة حداً أدنى على أجور القطاع الخاص منذ بداية العام الجاري. وحافظت الاستثمارات بدورها على مستوياتها بفضل المشاريع الراهنة التي هي في قيد التنفيذ تحت برنامج التحوّل الاقتصادي الذي اعتمدته ماليزيا في شهر سبتمبر من عام 2010 في محاولة لنقل الدولة إلى فئة الدول المتقدّمة بحلول عام 2020.

سؤال

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل سيحافظ الاستهلاك والاستثمار على نموهما بالمستويات المطلوبة حتى تعوّض عن الانخفاض الحاد الذي يشهده قطاع التصدير؟ يبيّن نمو الناتج المحلي الإجمالي مستوى نمو القطاعات التي تكوّن الناتج وهي الاستهلاك الخاص، والإنفاق الحكومي، والاستثمارات المالية الثابتة، والصادرات والواردات.

وبهذا، يمكن الناتج المحلي الإجمالي من قياس الناتج الاقتصادي أو حجم الاقتصاد ـ معدّل على حسب التضخم أو الانكماش ـ لأنه مجموع القيم المعّدلة لكافة السلع والخدمات النهائية التي تنتجها دولة أو منطقة ما خلال فترة زمنية محددة. وتعتمد هذه القيم على كميات (حجم) وأسعار السلع المنتجة.

والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فهو مقياس يجعل الأسعار الثابتة من خلال اعتماده على قيمة عام معيّن الذي يكون عام الأساس لجميع السلع والخدمات. ومن ثم، يتم استخدام هذه القيم لقياس الناتج المحلي الإجمالي للأعوام التي سبقت عام الأساس والتي تليه.

استمرار

في التوجه ذاته، من المتوقّع أن يستمر قطاع التصدير بتسجيل أداء منخفض مع استمرار ضعف الاقتصاد العالمي، وهو الذي سيدفع إلى المزيد من التدهور في الميزان التجاري.

وبالتالي، فإن أي نوع من التحسّن الذي قد يحدث في ميزان الحساب الجاري لن يتجسّد في أي وقت قريب، وهو ما سيضع المزيد من الضغوطات على انخفاض قيمة العملة الماليزية "الرينغيت" التي هي اليوم من الأكثر تأثراً من بين العملات الآسيوية الأخرى بسبب التدفقات المالية بأحجام كبيرة إلى خارج الدولة من مخاوف أن يبدأ الاحتياطي الفدرالي الأميركي بتنفيذ برنامج الحوافز في وقت أبكر من المتوقع.

ونتيجة لذلك، هنالك مخاطر شبه واضحة بأن تلحق ماليزيا بما حصل لكل الهند وإندونيسيا، وأن تستسلم إلى عجز كبير في الحساب الجاري وانخفاض ثقة المستثمرين وانخفاض قيمة عملتها. فقد سبق أن أظهر المستثمرون قلقهم حيال عدم وجود أي نوع من الإصلاحات التي تهدف إلى تخفيض العجز المالي المتراكم. وبنهاية شهر يوليو الماضي، خفضت وكالة "فيتس" نظرتها المستقبلية على الديون السيادية الماليزية إلى مستوى سلبي بسبب تحفظات بشأن حجم العجز المالي والنظرة المستقبلية الضعيفة لإمكانية وضع إصلاحات اقتصادية للحد من العجز.

توقعات

ولكن، ومع أن قطاع التصدير قد يحافظ على انخفاضه، ينبغي على الاستهلاك والاستثمار دعم النمو. فمن المتوقع أن يبقى الاستهلاك متيناً وبالأخص مع تطبيق قانون الحد الأدنى وبدأ انعكاس تأثيراته إيجابياً، ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يبقى مستوى الاستثمار نشيطاً بفضل المشاريع التي تقع ضمن برنامج التحوّل الاقتصادي والتي تجذب استثمارات خارجية مباشرة.

 

برنامج التحوّل

يهدف هذا البرنامج إلى جذب استثمارات بما يعادل 444 مليار دولار أميركي بحلول 2020 وبالنتيجة خلق أكثر من 3.3 ملايين وظيفة.

وإن تمكّن برنامج التحوّل الاقتصادي من الاستفادة من الميزات التنافسية التي تتمتع بها ماليزيا مثل العمالة المتمكّنة وعلى وجه الخصوص في قطاع التصنيع، وأيضاً مواردها الطبيعية الوفرة، فسيبقى مستوى الاستثمارات عاليا على المدى الطويل، وهو الذي بدوره سيدفع الاستهلاك إلى الارتفاع من خلال خلق المزيد من فرص العمل.

ومن القطاعات التي ستستهدفها الاستثمارات هي قطاعات الالكترونيات والكهربائي والرعاية الصحية والمواصلات والبنية التحتية.