مازالت الذكريات المفجعة للأزمة المالية الأعنف في تاريخ روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ماثلة أمام المواطنين الذين عاصروها. وطبع يوم 17 أغسطس 1998، كيوم أسود يفزع كثير من الروس من تكراره رغم مرور 15 عاماً بالتمام والكمال على إعلان الحكومة عدم قدرتها على سداد ديونها، ورغم المؤشرات القوية للاقتصاد الروسي واستبعادهم مع معظم الخبراء الاقتصاديين احتمال انزلاق روسيا في مثل تلك الأزمة.
وفي ندوة عقدت في موسكو وخصصت لذكرى الأزمة أقر وزير الاقتصاد الروسي الأسبق يفغيني ياسن، والذي شغل المنصب أثناء اندلاع الأزمة بحجم الأخطاء المرتكبة في فترة تسعينيات القرن الماضي و"عدم ادراك صناع القرار لآليات الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي المضبوط إدارياً ومركزياً إلى اقتصاد السوق المفتوح"، لكن الخبير الاقتصادي أكد أنه "لم يكن بالإمكان منع الأزمة رغم حجم الأخطاء الكبيرة"
. فيما خالفه نائب رئيس الحكومة الأسبق ياكوب أورينسون في ذات الندوة، وحمل الخلافات بين البرلمان (الدوما) الروسي المسيطر عليه آنذاك من قبل الشيوعيين والحكومات المسؤولية لـ "عدم إقرار القوانين والتشريعات المسهلة لانتقال سلس إلى اقتصاد السوق".
وذكر أن "المصروفات الكبيرة لحملة الرئيس بوريس يلتسن الانتخابية في 1996 كلفت الخزينة ما لا طاقة لها به، وأدت إلى ارتفاع الدين الداخلي والخارجي في شكل هائل، مما كان بداية النهاية لأحداث أغسطس 98 وما تلاها".
وفي ذات الوقت أشار إلى أن الأزمة "لم تكن هيكلية ولهذا فإن مؤشرات الاقتصاد نمت في العام 1999 بمعدلات كبيرة لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي". لكن أحد الخبراء المتواجدين في الندوة أوضح أن "النمو تحقق نظراً إلى الانهيار الكبير الذي حصل عقب الأزمة مما جعل قاعدة النمو ضعيفة".
جذور الأزمة
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال روسيا، تولت مقاليد الحكم نخبة عرفت بالاصلاحيين الاقتصاديين، ومع تراجع النشاطات الاقتصادية، ونمو حالات الاحتيال هوى جمع الضرائب في شكل حاد ما أفرز موازنة هزيلة تعاني عجزاً دائماً يتراوح ما بين 5 و10% سنوياً.
ومع انخفاض الثقة بالاقتصاد الروسي فشلت كل محاولات الاقتراض الخارجي، ولجأت الحكومة إلى إصدار سندات خزينة مقومة بالروبل مع فوائد مرتفعة جداً وصلت في عام ما قبل الأزمة إلى 140% سنوياً.
وبدأت المصارف الروسية بالاقتراض الداخلي والخارجي والاستثمار في السندات لكنها كانت تفضل دوماً السندات قصيرة الأجل، واهتم المستثمرون الأجانب أيضاً بضخ أموالهم في بورصة السندات بعد ظهور سوق ثانوي لها. ولكن الحكومة أخفقت في إقناع المستثمرين في توظيف أموالهم في سندات لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، أصرت على تثبيت سعر صرف الروبل لكبح التضخم، ومع ازدياد العجز.
وعدم وجود طرق للتمويل خصوصاً مع توقف المفاوضات مع صندوق النقد الدول حول قرض بقيمة 22 مليار دولار، اضطرت الحكومة في 17 أغسطس 1998 إلى إعلان عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بالديون.
مما تسبب في إفلاس عدد كبير من المصارف، وتراجع قيمة الروبل في أول يوم بنحو النصف، تلاه تراجع في قيمته أمام الدولار بنـــحو 4.5 مرات في غــضون 4 أشهر، وارتــفعت نسب التــضخم إلى أكثر من 80% في خمسة أشهر، وفقد ملايين الروس مدخراتهم، وفقدوا الثقة بالنظام المصرفي والاقتصاد عامة.
فزع
ويقلل الخبراء الروس من امكانية اندلاع أزمة مالية عاصفة كتلك في 17 أغسطس 1998، ويرى ياسن ان "الفزع مبالغ فيه نتيجة الأزمات الكثيرة التي عاشها المواطن في تسعينات القرن الماضي بفعل سياسات متخبطة لفرق اقتصادية لم تعرف ما يجب عمله"، ولفت إلى أن الدين الحكومي يكاد ينعدم، والحكومة تملك احتياطات من الذهب والعملات تجنبها أي أزمات مما يجعلها قادرة على مواجه تبعات الأزمات العالمية".
ويتفق نائب رئيس الوزراء الأسبق أورينسون مع ياسن لكنه يشير إلى مشكلات أخرى "أهمها ارتفاع الاقتراض، وحجم الديون الاستهلاكية للمواطنين الروس" ورغم اقراره باعتماد الموازنة والاقتصاد المتزايد على النفط والغاز إلى أنه يؤكد "أن الأسعار مرتفعة بما فيه الكفاية لضمان الاستقرار على المدى المنظور".
ويلفت إلى أن "سعر النفط حالياً في حدود 110 دولارات للبرميل بينما كان في 18 أغسطس 1998 في حدود 7 دولارات فقط". وفي الشارع الروسي تبقى الذكرى أليمة لأناس فقدوا "تحويشة" العمر، لكن الاستهلاك الداخلي لايزال من أهم عوامل تحريك النمو في الاقتصاد الروسي بعد قطاع الطاقة.
