يعاني الاقتصاد الاميركي من تناقض كبير، مستمر منذ الثمانينيات وليس وليد اليوم، هو تراجع كبير في استثمار الشركات في الوقت الذي ترتفع أرباحها الى مستويات قياسية.

وتشير أرقام صندوق جي ام او لإدارة الاصول الى ان الارباح واستثمارات كانت تلاحق بعضها بعضا في الاقتصاد الاميركي حتى اواخر الثمانينيات، وتبادلت الادوار والنسب من اجمالي الناتج المحلي عند متوسط 9 %. غير ان العلاقة التناسبية بين الاستثمارات والارباح بدأت تنفصم عراها منذ عام 2009. بعد الركود، او الازمة الائتمانية العالمية، بدأ العنصران في تجاذب اطراف الحبل.

تبلغ ارباح الشركات حاليا، قبل دفع الضرائب، مستويات قياسية، تصل الى 12 % او أكثر من اجمالي الناتج المحلي، بينما لا تتعدى حدود استثمارات الشركات نسبة 4 % من اجمالي الناتج المحلي.

هذا التغير يعتبر غريبا الى حد كبير. تقول النظرية الاقتصادية ان الاستثمار يندفع نحو الفرص الربحية من جانب وتكلفة رأس المال من جانب آخر. ويفيد ارتفاع الارباح بأنه هناك فرصا جيدة لتحقيق الارباح، منها الانخفاض التاريخي في تكلفة الاقتراض والارتفاع التاريخي ايضا في اسواق الاسهم، ما يعني ان المال رخيص جدا. غير ان الاستثمارات لا تتبع نفس النمط. والغريب ان العائد على رأس المال ليس مرتفعا، وتكلفة قيمة الاسهم منخفضة جدا، غير ان هناك كثير من عمليات استرجاع الاسهم، وليس هناك استثمارات كبيرة، وفق ما يقوله بين انكر الرئيس المشارك في جي ام او. ويقول ان الامر يبدو غريبا حقا.

نسب

تنعكس تلك الغرابة بالنسبة للعاملين في انخفاض نسبة الاجور من اجمالي الناتج المحلي، وبالتالي يساهم ذلك في ارتفاع الخلل في توزيع الدخل. بالنسبة للمستثمرين اذا لم تعد القوة غير العادية للأرباح مستمرة، لابد ان تتراجع سوق الاسهم في اميركا، وبالمنسبة للجميع فان الاستثمار هو ما يؤدي الى مستويات افضل من المعيشة مستقبلا. وتفسير الهوة بين الاستثمار والارباح يمكن ان يساهم في حل اعتى مشكلات الاقتصاد الاميركي.

تشمل النظريات كل شيء من الازمة المالية الى الاثار الجانبية الخفية للتقنية الحاسوبية الى الحوافز غير المناسبة لمديري الشركات. والواضح ان البداية من الازمة الائتمانية والركود. الواضح ان لا أحد بنى اي منازل جديدة من خمس سنوات. ويمكن ان توضح الازمة الائتمانية والركود ايضا سبب احجام الشركات عن الاستثمار مع ان ارباحها ترتفع.

طاقة

يقول جوزيف كاسبوتيس مؤسس اي اتش اس جلوبال انسايت للاستشارات الاقتصادية انه ينبغي اولا ان تستعيد كل ما فقد، قبل ان تضيف طاقة انتاجية جديدة، وثانيا ان احتمالات النمو المستقبلي ضعيفة ولاتزال ضعيفة. والوصفة معروفة وسهلة، اصلح الاقتصاد، تأتي الاستثمارات من تلقاء نفسها. سوف تتراجع الارباح، وترتفع الاجور. لكن الركود وحده لا يمكنه تفسير سبب بلوغ الارباح مستويات قياسية او سبب تغير العلاقة بين الارباح والاستثمارات خلال الخمس وعشرين عاما الماضية.

اعتراضات

وهناك اعتراضات ايضا على نظرية ان اسعار اللوائح والضرائب والغموض السياسي تؤدي الى تجميد الاستثمار، وهي نظرية محبوبة بين الشركات. يقول البعض ان سيطرة الحكومة على الرعاية الصحية لا يشجع على الابتكار. يقصدون بذلك التي فرضت الضرائب بنسبة 2.3 % على الاجهزة الطبية، اتي ساعدت في تمرير قانون الرعاية الصحية المحتملة. ويقول هؤلاء ان الابتكار لا يولد الا في ظل الحرية، وانت لا ترى الآن في اميركا الا مزيدا من التقييد.

التقييد يقلل من الانتاجية لكنه من المؤكد يؤثر في الاستثمارات عن طريق جعلها اقل ربحية، لكن الارباح في ارتفاع. اذن تلك القيود الضريبية واللوائح لا تبرر الاتجاه الذي ساد خلال حكم كلينتون وبوش وكان اكثر تخفيف ممكن من القيود والتقيد. هذا يعني ان هناك تغيرات كبرى في الاقتصاد، اهمها سطوع نجم تقنية المعلومات، التي ازدهرت في الوقت الذي بدأت العلاقة بين الاستثمار والارباح تتغير منذ نهية الثمانينات.

نظرية

يتركنا هذا مع ايجاد التفسير من خلال نظرية اخرى. تقول تلك النظرية ان الشركات مرت بثورة في الثمانينات بموجة شراء الشركات لبعضها وقيمة المساهمين و خيارات اسهم المديرين التنفيذيين و ما شابه. تغيرت طبيعة الشركات المساهمة العامة.

يقول البعض انه كان هناك تركيز كبير على وول ستريت عند اعلان الارقام ربع السنوية للشركات. وجاءت اوقات كانت الشركات تصبو الى الحصول على التقنيات في مراحلها الاولى لكنها لم تستطع لأنها سوف تحرق كثيرا من الاموال. ومع مرور الوقت زادت الضغوط من اجل تحقيق عائد على السهم، وادى ذلك الى التركيز على خفض التكلفة ورفع الكفاءة، بدلا من ضخ استثمارات تكتنفها مخاطر تستغرق وقتا لتحقيق ثمارها. فاذا حصلت على حصة من السوق فإنك الفائز حتى لو تقلصت السوق. لكن اذا نما السوق وفقدت جزء من حصتك فيه فأنت الخاسر وقد تفقد وظيفتك بعد فقدان أسهمك، إذا كانت تنفيذيا في الشركة.

فكرة

تعود فكرة تخفيض الاستثمارات اندفاعاً وراء خيارات الاسهم الى بحث أجراه جيرمي شتاين الخبير الاقتصادي في هارفارد الذي اصبح الآن محافظ المصرف المركزي الاميركي. الفكرة هي اذا كان اجر المدير التنفيذي سيكون له هذا التأثير الكبير على الاقتصاد بصفة عامة. الامر ليس مؤكد غير ان هناك ادلة ظرفية على ذلك. وافادت دراسة اكاديمية حديثة الى ان انكماش اجور التنفيذيين سوف يكون له تأثير دراماتيكي عكسي على نتائج دورة الاعمال.

وهناك نتائج دراسة اخرى على الشركات الخاصة افادت بأن الابقاء على حجم الشركة والصناعة مستقرين يعني ان الشركات الخاصة لابد ان تستثمر ضعف ما تستثمره الشركات المدرجة في البورصة، وان يكون لديها اصول تزيد على قيمة اصول شركات البورصة ايضا. والشركات الخاصة تستجيب بنسبة اربعة اضعاف شركات البورصة للفرص الاستثمارية لكن عندما تتغير الشركة الى مساهمة عامة، فإن سلوكها الاستثماري يتغير.

قد تحمل كل من تلك النظريات جانبا من الحقيقة بشأن العلاقة بين الارباح والاستثمارات اذا كان سلوك الشركات هو السبب، فيمكن تغيير السياسات بوسائل عدة. ويكون آن الاوان لوقف التفكير في حوكمة الشركات واجور التنفيذيين كعناصر مرتبطة بالاسهم واعتبارها مشكلة تتعلق بالاقتصاديات الكلية من الدرجة الاولى.

 

ثقافة

يقول اندرو سميزرز مدير شركة سميزرز و شركاه في لندن للاستثمارات المالية ان تغير ثقافة الشركات الكبرى هذا يمكن ان يفسر الانفصام في عرى العلاقة بين الاستثمار والارباح. ويقول ان خيارات الاسهم بالذات تشجع المديرين عل تعزيز ودعم الارباح قصيرة الاجل مع تخفيض الاستثمارات لصالح اعادة شراء الاسهم، مما يرفع من العائد على السهم.