الغرب يخشى العملاق الاقتصادي الصيني، الذي حقق في الواقع قفزات اقتصادية كبيرة، لكن عندما تنظر الصين الى العالم ، تجد ان الدول المتقدمة لا تزال مسيطرة على الاقتصاد العالمي.
وهناك القليل من العيون الغربية التي ترى العالم من وجهة نظر صينية، ومنهم بيتر نولان استاذ الشؤون الصينية في جامعة كمبريدج. وقد نقلت فاينانشال تايمز عن هذا العالم ما يفيد ان المخاوف من الاقتصاد الصيني ليس لها مبرر، حيث يخشى الغرب من ان تشتري الصين العالم. وبرر نولان قوله بأننا داخل الصين لكن الصين ليست بداخلنا. ولكي نفسر ما يقصده نولان بهذا القول لابد ان نوضح ما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية من تكامل اقتصادي عالمي مدفوع بالتقدم التقني.
لقد حدثت تحولات في الاقتصاد العالمي عن طريق ظهور كيانات عن طريق الاستحواذ والاندماج والاستثمار الاجنبي المباشر في عدد محدود من الشركات الكبرى، غالبيتها تتمركز في الاساس في الدول المتقدمة. وفي القلب من الاقتصاد العالمي الجديد ما يسميه الاستاذ نولان شركات انظمة التكامل وهي الشركات التي لها علامات تجارية مسيطرة وسائدة وتقنياتها الاعلى مستوى، التي تتبوأ قمة هرم القيمة وتخدم الطبقات المتوسطة في العالم، وفي المقابل تمارس تلك الشركات العالمية ضغوطا كبيرة على سلسلة الإمدادات وتخلق نوعاً من التكامل المتزايد أبدا في العالم.
الإنتاج العالمي
ويمكننا ان نرى تنظيم الانتاج العالمي وتوزيعه تحت رعاية الشركات المتكاملة او المندمجة. هذا النوع من الشركات يملك نوعا من المميزات التفضيلية الرئيسية، من بينها القدرة جمع التمويل للمشاريع الكبرى الجديدة والموارد الضرورية لتمويل المستويات العليا من الابحاث والتطوير والإنفاق عليهما من استمرار تصدر الصف من حيث التقدم التقني، من اجل تطوير علامة تجارية عالمية والاستثمار في احدث تقنيات المعلومات وجذب افضل العناصر البشرية.
والأكثر من ذلك ان هناك مئة شركة عملاقة، جميعها من الدول المتقدمة تمثل ثلاثة أخماس إجمالي الانفاق على البحث التطوير بين 1400 شركة رائدة في العالم. هذه الشركات هي اساس التقدم التقني في العالم في حقبة عولمة رأس المال. وقد استثمرت تلك الشركات استمارات كبيرة عبر الحدود، لاسيما في الصين.
استثمارات الشركات
ونجد موضع الصين في هذا العالم الجديد. إنه نجاح هائل، لكنها شيدت هذا النجاح على رغبتها وقدرتها على تقديم عمالها وأسواقها للمنتجين العالميين. لذلك في الفترة من 2007 الى 2009 كانت استثمارات الشركات الاجنبية مسؤولة عن 28 % من القيمة الصناعية المضافة في الصين وعن 66 % من انتاجها الصناعي من المنتجات المتقدمة و55% من صادراتها و90 % من صادراتها من منتجات التقنيات الجديدة والمتقدمة.
وبالتالي فإن الصين مساهم كبير في أنظمة يديرها اجانب. فإذا نظرت الحكومات والشعوب في الدول المتقدمة الى تلك الشركات العالمية، فماذا تستطيع ان تفعل الصين أكثر من ذلك. الصين تشتري العالم الآن.
وبين 1990 و2012، ارتفعت الاستثمارات الاجنبية المباشرة من 2.1 تريليون دولار الى 23.6 تريليون دولار. ولاتزال الدول المتقدمة تمثل 79٪ من الرقم الاخير. في عام 2012 بلغت الاستثمارات الاميركية الخارجية 5.2 تريليونات دولار، بينما استثمرت بريطانيا 1.8 تريليون دولار في الخارج، مقابل 509 مليارات دولار من الصين. وكان الفارق بين الاستثمارات التي تدخل الصين والتي تخرج منها رهيبا، حيث بلغ 324 مليار دولار بالسلب، بل و68 % من الاستثمارات الخارجة من الصين في 2009 توجهت الى هونغ كونغ، التي هي جزء من الصين.
الموارد الطبيعية
وأوضح نولان ان الشركات الصينية كانت بعيدة وغائبة عن الاندماجات والاستحواذات العالمية. وتستثمر الصين في الخارج في مجال الموارد الطبيعية، نظرا لنقصها داخليا. وحتى في هذا المجال تتقزم استثمارات الصين مقارنة بما تفعله الشركات العالمية متعددة الجنسيات.
إذاً ماذا يفيد ذلك، ان الصين لم تستطع تطوير شركات عالمية متعددة الجنسيات ولها اهمية كبيرة في السوق العالمية. والأكثر من ذلك انه مقارنة بالدول المتقدمة، من الصعب على الصين ان تفعل ذلك.. وبالتالي فإن الاقتصاد الصيني لا يزال اسير المعرفة الاجنبية، وهذا يوضح جهود الصين المستميتة للحصول على تلك المعرفة. والنتيجة الأخرى ان الصين لا تزال بعيدة عن "شراء العالم". وبالتالي فإن المخاوف من ان تشتري الصين العالم المنتشرة في الغرب، لا مبرر لها.
