مال المستثمرون حتى وقت قريب نسبياً، إلى اعتبار ديون الأسواق الناشئة بمثابة فئة ثانوية من الأصول والتي يجدر التعامل معها بقدر كبير من الحذر خاصة بعد أزمة البيزو بالمكسيك عام 1994 وعجز روسيا عن سداد ديونها في عام 1998. إلا أن الوضع تغير الآن. وتحسن الوضع المالي النسبي للدول الناشئة تحسناً كبيراً بالمقارنة مع البلدان المتقدمة. أما أزمات الديون السيادية اليوم فهي تضرب اليونان والبرتغال، وليس المكسيك أو البرازيل.
وينعكس ذلك في الزيادة الكبيرة في عدد الديون السيادية في الأسواق الناشئة والتي حصلت على تصنيف استثماري - فعلى سبيل المثال بلغت نسبة السندات الحاصلة على تصنيف استثماري في مؤشر جي. بي مورغان لسندات الأسواق الناشئة حوالي 90%. وفي الوقت نفسه، فإن أداء الحسابات الجارية في الدول الناشئة قوي ويتمتع بمعدلات نمو سريعة، ما يعني أن أسعار العملات في تلك الدول يواصل ارتفاعه مقابل الدولار، مما يسهل على تلك البلدان الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
وهذا بدوره يؤدي إلى الانخفاض في علاوات المخاطر، فضلاً عن انخفاض التقلبات واحتمال ارتفاع قيمة العملة مقابل عملات مجموعة الدول الصناعية السبع.
لم تكن الاقتصادات الناشئة على المدى القصير، بمنأى عن المشكلات التي تعصف باقتصاد الدول المتقدمة. ومع ذلك، ما زال التفاؤل حول توقعات النمو، حيث يبدو أن التباطؤ الذي شهدته عدد من الأسواق الناشئة مؤخراً دوريّ، وفي معظم الحالات، إن الظروف قائمة لانتعاش النمو خلال النصف الأول من العام 2013.
أما على المدى الطويل، فإن إعادة التوازن من النمو القائم على التصدير إلى النمو القائم على طلب المستهلك، والتي يحركها النمو في دول الأسواق الناشئة ستزيد من تعزيز اقتصاداتها. سوف يدعم ذلك بدوره هوامش أرباح الشركات وأرباح القوى العاملة، ويخلق دائرة تأثيرات مرتدة إيجابية للاستهلاك.
تطور
يستفيد المستثمرون في ديون الأسواق الناشئة من كون التطور الذي يزداد مع استمرار الإصدارات. وبإيجاز، إن هذه الزيادة غير ناتجة عن تزايد المديونية - في الواقع، فإن مجموع الديون الخارجية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي تواصل الانخفاض بسبب النمو القوي - بل إنها تعكس التوسع السريع للديون المحلية وديون الشركات. ويشير ذلك إلى أن الأسواق الناشئة قد جذبت رؤوس الأموال الكافية لدعم نموها بشكل مستدام.
في ما يخص العائدات، فلا تزال مستوياتها جذابة، ويوفر ذلك وسادة أمان ضد النهاية السياسة النقدية المتساهلة للبنوك المركزية في العالم المتقدم.
عالم ما بعد ليمان براذرز
ليست الدول الناشئة وأسواق الدين بمنأى عن التوترات التي تؤثر على الأسواق في البيئة الحالية والتي تتسم بعدم الاستقرار. إن ديون الأسواق الناشئة فئة من الأصول الفائقة التنوّع ولا تظهر جميع الدول القدرة نفسها على مواجهة هذا التقلب. في عالم يصعب فيه تحديد الرؤية المستقبلية وتصبح فيه دورات السوق أقصر، يتطلب اغتنام الفرص في ديون الأسواق الناشئة اليوم:
وعموماً، يجب على عمليات الاستثمار في الدخل الثابت أن تتكيف مع الواقع الجديد للأسواق. قبل عام 2003، كانت معظم عمليات الاستثمار في الأسواق الناشئة ترتكز على توقع الأزمات النظامية المتوقعة في الأسواق الناشئة. ثم، وحتى حوالي عام 2008، باتت تركز على عوامل النمو والتضخم. أما العالم ما بعد أزمة ليمان براذرز فأصبح مختلفاً جداً، ويجب أن ينعكس ذلك في عمليات الاستثمار المحدثة.
ومن المهم أن يعتمد المستثمرون توجهاً يركز على الفهم والتكيف مع تغيرات السوق والتوقعات الاقتصادية. ومن الناحية العملية، يعني ذلك استخدام فلسفة الاستثمار التي تركز على منظور السوق الذي يشمل الوضع المحلي والعالمي، فضلاً عن مزيج متوازن من الأدوات النوعية والكمية. فالأفكار الاستثمارية المثمرة للغاية في الأسواق الناشئة تتواجد على مفترق طرق بين تحليل العوامل العالمية التي تؤثر على ديون الأسواق الناشئة وفهم متعمق للأوضاع المحلية الخاصة بكل اقتصاد.
إن تخصيص بعض الاستثمارات لديون الأسواق الناشئة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. فهذه الفئة من الأصول هي الأكثر قيمة وتنوعاً من ذي قبل وتتطلب عملية محكمة لتوزيع الأصول. كانت ديون الأسواق الناشئة تقتصر على ديون خارجية بالعملة الصعبة، أما الآن فيمكن للمستثمرين المؤسساتيين الوصول إلى مجموعة لا متناهية ذات أداء قوي من الديون السيادية بالعملة المحلية.
توجهات استثمارية
يلاحظ في الآونة الأخيرة، توجه تركيز المستثمرين على عنصر الدخل في فئة الأصول. حيث يستثمر عدد متزايد من شركات التأمين في ديون الشركات بالعملات الصعبة باعتبارها استراتيجية تقوم على الشراء والاحتفاظ في سبيل الحصول على التدفقات النقدية المرتبطة على المدى الطويل.
قد تكون مؤسسات استثمارية أخرى أقل ارتياحاً لتقلب الأسعار عن هذه الاستراتيجية والتي ترتكز على العائد، مفضلة عوضاً عن ذلك اتباع نهج استثماري أكثر نشاطاً. وفي عالم باتت فيه العائدات منخفضة والإمدادات لاستراتيجيات الائتمان الجذابة متضائلة، فإن ديون الأسواق الناشئة تقدّم للمستثمرين المؤسساتيين بيئة متنوعة.
4 محاور عالمية
من أجل تخصيص الاستثمارات في فئات الأصول المناسبة وإدارة المخاطر المرتبطة بديون الأسواق الناشئة في البيئة الحالية، ينصح المستثمرون بالتركيز على المحاور العالمية الأربعة التالية:
1. نمو الأسواق الناشئة
يشهد العالم بوادر الانتعاش بعد الأداء الضعيف خلال الدورات المالية السابقة، من المرجح أن يتحول ذلك إلى تحول اقتصادي بينما تقود الاقتصادات الناشئة انتعاش الأسواق.
2. دورة التأقلم مع السياسة النقدية
تبدأ إجراءات السياسة العامة في الاقتصادات المنتعشة دافعةً عجلة الاقتصاد لتخرجها من التباطؤ الذي تمر به. وهذا يعني الاقتراب من نهاية التيسير النقدي. ومع ذلك، فإننا يتوقع أن تظل معدلات السياسة راسخة وأن تبقى البنوك المركزية حذرة.
3. قلّل الإعلان عن برنامج المعاملات النقدية المباشرة للبنك المركزي الأوروبي من المخاطر المتطرّفة المتعلّقة بالأزمة السيادية الأوروبية، بيد أن المستثمرين لا يزالون يواجهون تهديدات هامة.
4. وصل نمو الاقتصادي الصيني إلى أدنى مستوياته وبدأ الآن بالتسارع من جديد. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى انتعاش اقتصادي في أجزاء أخرى من آسيا وأميركا اللاتينية. أما هذا الانتعاش في الزخم فترافقه استعادة التوازن التدريجي للاقتصاد الصيني، ويعتبر ذلك إيجابياً بالنسبة للسلع الخفيفة.
