في تقرير لها عن الاقتصاد الصيني ومدى إمكانية قيادته للاقتصاد العالمي، قالت مجلة فوربس : إن القرن التاسع عشر كان القرن البريطاني، والقرن العشرين كان قرن الولايات المتحدة، فهل من الممكن ان يكون القرن الحادي والعشرين قرنا صينيا؟ وأجابت المجلة على ذلك التساؤل قائلة، إن الصين لا تمتلك الأفق السوقي " القاطع " لأي منتجات تصنيعية، حيث أن توسعها الفعلي في الأسواق العالمية جاء في وقت تشارف فيه الرأسمالية على آخر مرابطها، مكتسحة كل سوق اخرى في العالم تقريبا. وهذا يعني بطبيعة الأمر أن الصين تندفع نحو آخر تخوم الرأسمالية، وهي بالتالي، لا تمتلك هامشا كبيرا للمناورة، قبل اصطدامها بلاعبين آخرين في السوق العالمية، رسخوا مواقعهم بقوة في السوق العالمية.

الحدود السوقية

وقالت المجلة: إذا كان حجم السوق المحلية لأي بلد يقاس بعدد سكانه، فإن الصين أكبر مصدر ( للعمالة )، وأكبر سوق ( استهلاكية ) منتجة. غير أن العدد الكبير للسكان ليس وحده كافيا لتحفيز النمو الاقتصادي للبلاد، وتجربة الصين خير شاهد على ذلك. فالصين كانت تمتلك عددا هائلا من السكان في بداية القرن الرابع عشر، ومنتصف القرن التاسع عشر، وبداية الخمسينات، غير انها فوتت الفرص الثلاث للصعود على قيادة العالم الاقتصادي.

لكن هل اختلفت الأحوال اليوم؟

تجيب المجلة قائلة: ان الأمور قطعا تغيرت، كما يتضح من النمو القوي للدولة، الذي حولها إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم في وقت قياسي. والمشكلة تكمن في أن تدني الناتج الإجمالي المحلي للفرد، وعدم التكافؤ في الدخل، والكثافة السكانية، ومعدل الأمية المرتفع، والتركيبة الإدارية المشتتة، كل ذلك يجعل من السوق المحلية الصينية مجموعة من الأسواق المحلية المنعزلة، بدلا من سوق واحدة متكاملة. أما الشرط المفقود الثاني فهو المصادر الأهلية المتمثلة في ريادة الأعمال، التي يتوجب على الصين إنضاجها ورعايتها.

المناطق الريفية

وللإنصاف فإن ريادة الأعمال تزدهر في المناطق الريفية من الصين، حيث راح المزارعون يتحولون إلى رواد اعمال، الأجور تقررها القوى السوقية. كما أن ريادة الأعمال تزدهر في المناطق الساحلية الجنوبية، حيث جمع الأفراد ثروات عبر تصدير المنتجات الصينية منخفضة القيمة. وقامت شركات مثل باندا للإلكترونيات، وهواوي تكنولوجيز هير جروب، ولتل سوان، ولينوفو بتطوير منتجات جديدة، أصبحت منافسة لسيسكو وآي بي إم، وأبل. ولسوء حظ الصين فإن تلك المنتجات هي استثناء وليست قاعدة. لأن ريادة الأعمال تقتصر في الصين اليوم على إنتاج وتسويق وتصنيع منتجات تقليدية ابتكرت واخترعت في غير مكان. ولهذا ما زال على الصين ان تطور منتجات صارخة مثل آي فون، وآي باد، وخلق منافع تنافسية مستدامة في الاقتصاد العالمي. والشرط الثالث هو غياب الحكومة عن مناطق "شائعة" من الاقتصاد، حيث الأسواق إما أن تنجح أو غير كافية، مثل الحماية البيئية، والأمن الوظيفي، ومراقبة الشوارع، والطرق السريعة، وحماية المواطنين من الاحتيال المالي.

وفي الوقت نفسه فإن الحكومة متواجدة في المشاريع الحكومية، ومشاريع القرى والأرياف حيث الحكومة هي المالك، ورائد الأعمال، والمدير، تنتج السلع المتنوعة كالحديد، ومساحيق الغسيل، والألمنيوم. كما أن الحكومة حاضرة في الصناعة البنكية، متحكمة في كل شئ تقريبا مقننة الاقتراض بالمراسيم الحكومية بدلا من القوى السوقية.

البيروقراطية

قالت فوربس: إن الصين بحاجة لعقلية تجارية جديدة تضع المستهلك في محور العالم الاقتصادي بدلا من البيروقراطية الحكومية، وتترك لرواد الأعمال حرية اختيار حول كيفية توزيع الموارد الاقتصادية، وتسمح للمديرين من المحترفين تطبيق تلك الخيارات.

وخلاصة القول إن التعداد الكبير للسكان، وجرعة الأسواق قد تكون شرطا ضروريا لقيادة الاقتصاد العالمي. أما الشرط الكافي فهو حدود سوق منفتحة، وريادة اعمال حقيقية، والمزيج الصحيح من الأسواق والحكومة، والعقلية التجارية الجديدة، ويبدو أن الصين تفتقر لها جميعا.