عاود التضخم الارتفاع في قطر بعد أن اتجهت الحكومة لتعزيز الإنفاق قبل نهائيات كأس العالم التي تستضيفها البلاد عام 2022. وكان معدل التضخم قفز قبل خمسة أعوام متجاوزاً 10% بعد أن زادت الدولة إنفاقها بشدة لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية عام 2006.

وتعتزم قطر التي يبلغ عدد سكانها 1.9 مليون نسمة إنفاق نحو 140 مليار دولار على بناء ملاعب رياضية وطرق ومد سكك حديدية ومطار جديد وميناء بحري وغيرها من مشروعات البنية التحتية قبل النهائيات.

ومن الممكن أن يتسبب الإنفاق بهذا الحجم في زعزعة استقرار اقتصاد أكبر بكثير من اقتصاد قطر. ولذلك فإن البيانات الحديثة التي أظهرت ارتفاعاً كبيراً في التضخم ليست موضع ترحيب.

وربما يهدد التضخم (إذا أصبح صعوده اتجاهاً راسخاً) استكمال بعض المشروعات الإنشائية بسلاسة.

ويصر مسؤولو الحكومة وتنفيذيون بالشركات أنهم تعلموا الدرس من المرة السابقة التي ارتفع فيها التضخم وسيتفادون أزمة أخرى لأسباب منها أن أمامهم مدة أطول لتنفيذ المشروعات.

الإطار الزمني

وقال ر. سيتارامان الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة خامس أكبر بنوك قطر من حيث القيمة السوقية لـ«رويترز»: " شهدنا في عام 2006 وضعاً مختلفاً مقارنة بما نحن أمامه الآن. كان علينا تنفيذ كل المشروعات خلال فترة زمنية قصيرة وواجهنا تدفقاً مفاجئاً من الناس على البلاد. أما الآن فلدينا وقت كافٍ لتنفيذ هذه المشروعات وسيتم هذا تدريجياً على مدار السنوات الخمس المقبلة. وهذا الإطار الزمني سيسهم كعنصر استقرار في منع أي مشاكل تضخمية".

وكان معدل التضخم قفز إلى مستوى قياسي بلغ 15.2 % عام 2008 لأسباب منها طفرة البناء التي سبقت الألعاب الآسيوية ومشاكل لوجستية واختناقات منها صعوبات واجهت نقل مواد البناء اللازمة إلى البلاد مما تسبب في ارتفاع التكاليف.

وجاءت النجدة من حيث لم يحتسب أحد بظهور الأزمة المالية العالمية. وانخفض التضخم سريعاً مع تراجع ايجارات المساكن بل إن قطر شهدت تراجعاً في أسعار المستهلكين عامي 2009 و2010 بما يؤكد مدى تأثر اقتصاد قطر الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على تصدير الغاز بالاتجاهات العالمية.

إيجارات المساكن

لكن شبح التضخم عاد ليطل برأسه من جديد في الأشهر القليلة الماضية. فارتفع المعدل السنوي إلى 3.6 % في مارس من 3.2 % في فبراير ومن 2.6 % في ديسمبر. وكان من الأسباب الرئيسية وراء ذلك تجدد ارتفاع ايجارات المساكن التي تمثل نحو ثلث إنفاق المستهلكين إذ زادت 5.5 % في مارس.

ويبدو أن أحد العوامل وراء صعود التضخم زيادة الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية في أعقاب انتفاضات الربيع العربي في بعض دول الشرق الأوسط. ففي سبتمبر عام 2011 رفعت قطر المرتبات الأساسية للعاملين في الحكومة والامتيازات الاجتماعية للعاملين المدنيين في الدولة بنسبة 60 %. ولو أن قطر كانت أسرع في تنفيذ مشروعات البنية التحتية عقب الفوز بتنظيم نهائيات كأس العالم قبل نحو عامين ونصف العام لكان التضخم أعلى مما هو عليه الآن.

ولأسباب بيروقراطية في جانب منها، كانت الحكومة أبطأ في ترسية بعض العقود مما توقعته الشركات الأمر الذي أصاب بعض رجال الأعمال الأجانب بخيبة أمل إلا أنه حد من ضغوط رفع الأسعار.

وقال عبد العزيز الغريري النائب الأول للرئيس وكبير الاقتصاديين لدى التجاري كابيتال في الدوحة "كان لتأخير العامين أثره في الحد من التضخم".

زيادة الإنفاق

إلا أنه يبدو أن الإنفاق على البنية التحتية سيشهد ارتفاعاً ملحوظاً هذا العام إذ تقضي الخطط بزيادة إنفاق الدولة 18 % إلى 210.6 مليارات ريال (57.8 مليار دولار) في السنة المالية 2013-2014 التي بدأت في أول ابريل والاستمرار على هذا المستوى حتى عام 2017 حسبما قال وزير المالية والاقتصاد يوسف كمال هذا الشهر.

وفي يناير قال رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لقطر في تصريح لـ«رويترز»: إن قدرة الاقتصاد على استيعاب الإنفاق الهائل على مشروعات البنية التحتية مسألة مهمة رغم أنه ليست هناك مخاوف من حدوث نمو تضخمي للاقتصاد في الوقت الحالي.

ويتمثل أحد دفاعات الحكومة في مواجهة التضخم في قدرتها على تنظيم الأسعار. فقد قالت الحكومة في بيان صدر في ديسمبر الماضي انها ستستخدم سلطاتها لمنع التجار من فرض زيادات غير مبررة في الأسعار على المستهلكين.

وفي سبتمبر 2011 أصدر أمير قطر توجيهاته لوزارة الأعمال والتجارة لتشكيل لجنة لمراقبة أسعار السلع للحد من الزيادات التعسفية في الأسعار في أعقاب زيادة المرتبات. لكن لم يتضح ما إذا كان بوسع اللجنة فرض قيود سعرية واسعة النطاق إذا اقتضى الأمر أو مدى فعالية مثل هذه القيود.

السياسة النقدية

ومن الأسلحة الأخرى لمحاربة التضخم السياسة النقدية. ففي مارس استحدث البنك المركزي اصدارات فصلية من السندات المقومة بالريال لتصبح أداة في يده لإدارة السيولة الفائضة في القطاع المصرفي.

وقال محافظ البنك المركزي لـ«رويترز» هذا الشهر: إن من الممكن تعديل هذه الإصدارات بكل مرونة. ويقول مسؤولون وبعض المحللين: إن مثل هذه الأدوات ستكفي لتفادي موجة أخرى من الارتفاع الكبير في التضخم في السنوات القليلة المقبلة. وقال الغريري: إن من المتوقع ارتفاع التضخم لكنه سيبقى دون 10 %.

لكن آخرين أقل ثقة في ضوء اعتماد قطر الشديد على الاستيراد إذ انه باستثناء الطاقة فإن أغلب السلع الأساسية التي تستهلكها مستوردة وفي ضوء ارتباط الريال القطري بالدولار الأميركي. فهذا الارتباط بين العملتين يقيد قدرة قطر على زيادة أسعار الفائدة لمحاربة التضخم ويمنعها من رفع قيمة العملة لمواجهة أي زيادة في تكاليف الاستيراد.