تأثرت الأسواق حول العالم بشكل كبير بالأخبار حول تباطؤ نمو إجمالي ناتج الدخل القومي الفعلي في الصين بأكثر من المتوقع، ليصل إلى 7.7%، الأمر الذي نشأ عنه تخفيض الكثير من المحللين الاقتصاديين لتوقعاتهم لكامل العام الحالي.
كما خيبت إصدارات بيانات شهر مارس التوقعات فيما تراجع نمو الإنتاج الصناعي إلى 8.9% بشكل مثير للاهتمام. وفيما كانت مبيعات التجزئة مخيبة للآمال وبمستوى 12.6%، فقد كانت في الواقع قد استعادت بعضاً من قوتها التي فقدتها في انخفاض حاد خلال شهر فبراير، وأن النمو بعد تعديل البيانات وفقاً للتضخم، سيكون جيداً إن كان يضاهي 10.5% .
وقال جيم أونيل رئيس مجلس إدارة غولدمان ساكس لإدارة الأصول: إن الانخفاض الكبير على مدى يومين في سعر الذهب كان مثيراً للاهتمام، وفيما يرى الكثيرون في ذلك الانخفاض إشارة إلى تباطؤ النمو الصيني وبعض المشاكل الفنية المرتبطة باحتمال البيع في قبرص، فإنني أرى أن ذلك أمر أكثر أهمية وحجماً، فقد قللت العديد من البنوك المركزية ممتلكاتها من الذهب على مدى سنوات مما كان له أثر طفيف على السعر. كما أن الهبوط الكبير في أسعار الذهب مرتبط بوجود بديل ممتاز للمستثمرين اليابانيين.
وأكد في تقريره الأسبوعي أن نسبة الإنفاق في مبيعات التجزئة حققت قدراً من التعافي بالنسبة إلى الإنتاج الصناعي. وذلك هو أهم التوجهات التي يتعيّن على الدولة الصينية أن تتبعها إن كانت تسعى لإعادة التوازن إلى نموها الاقتصادي وتحسين نوعية ذلك النمو. خلال نهاية الأسبوع وصف محافظ البنك المركزي الصيني تشو شياو تشوان تباطؤ النمو الصيني على أنه مبرر بالنظر إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، مما يتماشى تماماً مع تقديراتي.
السياسة المالية والديون
وقال أونيل : وفقاً لعدد من التقارير الإعلامية فإن مديري البنوك المركزية في الاجتماعات الفصلية لصندوق النقد الدولي بواشنطن العاصمة أقروا بأنهم لا يعرفون بالفعل ما يجري في الاقتصاديات المتقدمة، ولا يدركون تبعات سياساتهم الحالية. وفيما يشعر الكثير من المراقبين بالقلق حيال تلك الاعترافات الصريحة، فإنها تمثل برأيي خطوة مرحباً بها. فمن خلال دراستي للاقتصاد اتضح لي أنه علم اجتماعي.
وأنه لا يعتبر أبداً من العلوم البحتة. ولهذا فالطبيعي ألّا يكون الخبير الاقتصادي على علم بما يجري قد يشعر بقدر من الثقة، ولكن من الممكن أن يقول المرء أن أحد أسباب حدوث الأزمة في عامي 2008- 2009 كان ثقة الناس أكثر من اللازم بمعرفتهم بالعلاقات الاقتصادية. وعلى أي حال، كان هناك اهتمام خاص بالأبحاث التي أجراها كينيث روغوف وكارمن راينهارت، والتي نشرت عام 2010 وكان لها أثر كبير في العديد من المحافل على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وتابع: بحسب التقارير الإعلامية فإن مجموعة في جامعة ماساشوسيتس قامت بإعادة إنتاج بحث روغوف وراينهارت لتبرز حقيقة أن الدول التي كانت نسبة الدين العام إلى إجمالي ناتج الدخل القومي فيها 90% أو أكثر، أظهرت نمواً منخفضاً باستمرار مقارنة بالدول الأخرى، مختتمة بأن تشجيع النمو وتخفيض الديون يمثل ضرورة ملحة.
وربما استخدمت بعض الدول والمراقبين ذلك البحث بشكل أكبر مما ينبغي لتبرير إجراءات التقشف المالي، وفي أعقاب الاهتمام الكبير الذي حظيت به ورقة البحث التي أعدتها جامعة ماساشوسيتس، فقد اعترف روغوف وراينهارت أن نتائجهما لم تظهر بالقوة ذاتها عند إعادة تحليل البيانات.
جاء الإقرار بعد اعترافات صندوق النقد الدولي بأنه أخطأ تقدير الآثار الدورية السلبية للتقشف المالي، ليأتي الأمر برمّته ويمثل انتصاراً لأصحاب الأفكار الكينيزية ممن عبروا عن رأيهم بأن القيود المالية ستحدّ من النمو، بغض النظر عن مزاياه على جانب التوريد والتي تتمثل في تخفيض الدين العام.
وأضاف: إن وضع الدول في مجموعات وفقاً لمستويات الدين واستنتاج التبعات الاقتصادية فيها أمر ينطوي على مخاطرة. وحتى تطبيق الأسلوب ذاته حول ميزان مدفوعات الحسابات الآنية، والذي يمثل أداة محاسبية وبالتالي أقل موضوعية، ويعتبر خطوة غير واضحة ولكن الدول ذات مستوى الدين المرتفع قليلاً ما تتقاسم أية مواصفات أخرى مع بعضها البعض. ونتيجة لذلك فإن الحل الأمثل لتخفيض الديون وأهم من ذلك، التنمية الاقتصادية والنمو، سيكون مختلفاً تماماً.
الوضع في اليابان
وقال أونيل : أظهر أحدث استطلاع لثقة المستهلكين ارتفاعاً إلى 44.8 في مارس، وهو حسب اعتقادي أعلى رقم تسجله خلال ست سنوات، بينما أظهر استطلاع بنك اليابان تحسناً ملحوظاً (رغم اعتقادي بأنه حدث قبل إجراء البنك لتغييرات السياسة خلال الشهر). أعلنت اليابان عن عجز تجاري آخر في مارس، رغم أنه كان أقل مما حدث في فبراير وأظهر إشارات على تحسن الصادرات.
وتابع: لا يوجد أي دليل واضح على التغير في تخصيص الأصول، ولكن أسعار الأصول النسبية تغيرت بشكل هائل، وبخاصة مع الأداء القوي لصناديق الاستثمار العقاري اليابانية. أضاف ذلك المزيد من الدعم لشكوكي حول كون الهبوط الكبير في أسعار الذهب مرتبط بوجود بديل ممتاز للمستثمرين اليابانيين، وهو أمر لم يكن متاحاً لهم على مدى العشرين عاماً الماضية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحللين بدأوا يجمعون على رفع توقعات إجمالي ناتج الدخل القومي الياباني للعام 2013 و2014، وهو سلوك متغير بدأ يظهر على نطاق واسع.
الديون وأسواق السندات
وأضاف: أولت السياسة الاقتصادية اليابانية اهتماماً طفيفاً بنظريات راغوف ورينهارت، حيث يعتمد رئيس الحكومة سياسة مالية تسعى إلى إطلاق مسار النمو إلى جانب الموقف المالي الأكثر جرأة. وبالنظر إلى مستوى الدين إلى إجمالي ناتج الدخل القومي في اليابان، والذي يقارب 240%.
وكما يشير العديد من المراقبين الأجانب، فإن هناك مخاطر بأن ينشأ عن تطوير السياسات بتلك الطريقة انخفاض كبير في أسعار السندات اليابانية في حال خروج الأمور عن نطاق السيطرة ، بما في ذلك ارتفاع مستويات التضخم إلى ما يفوق 2%.
وفي تلك الظروف قد يكون ذلك مثيراً للمشاكل على صعيد أسعار السندات، إلا أن ذلك قد لا يحدث بالضرورة إن كانت تلك الظروف قد حصلت في ظل قوة واستدامة أكبر في نمو إجمالي ناتج الدخل القومي الفعلي. وبالإجمال فإن تقييمي للأمر هو أن المشاكل المحتملة قد تشكل تحدياً، ولكن ذلك سيكون مثيراً للاهتمام لأنه سيصبح احتمالا أكثر واقعية قبل أن يقلق المستثمرون حول نتائجه السلبية.
