ضخت أكبر 3 بنوك مركزية في العالم وهي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي وبنك اليابان نحو 9.5 تريليونات دولار لتحفيز اقتصاداتها التي تعاني مشكلات كبيرة نجمت عن فقاعة العقار التي تبلورت صورتها النهائية في الولايات المتحدة الاميركية في 2007 وانفقعت فعلياً في 2008 لتدخل الاقتصاد العالمي في دوامة الركود والتراجع.
وفي حين ضخت الولايات المتحدة الأميركية مليار دولار فقط للخروج من الركود الكبير أو ما يعرف بالأزمة المالية العالمية الأولى في 1932 فإن أزمة 2008 أجبرتها على ضخ نحو 3.7 تريليونات دولار حتى الآن عبر ثلاث جولات في إطار خطة إنقاذ تهدف لتحريك النمو وتقليص معدلات البطالة. وفي الجانب الآخر تقدر الأموال التي قدمها البنك المركزي الأوروبي لتمويل خطط إنقاذ وتحفيز لاقتصادات أوروبا المنهكة بالديون بنحو 3 تريليونات دولار منها 1.4 تريليون خلال عامي 2012 و2013 فقط في وقت حدثت فيه انهيارات كبيرة في القطاع المصرفي الأوروبي، مما أدى إلى إفلاس العديد من البنوك الكبيرة إلى جانب لجوء معظم القطاعات الرئيسية لشطب آلاف الوظائف. وبلغت أموال التيسير الكمي التي ضختها اليابان نحو 2.7 تريليون دولار ومن المتوقع ضخ المزيد خلال الفترة المقبلة خصوصاً أن اليابان تعاني ضربة مزدوجة فهي إضافة إلى تأثرها بتداعيات الأزمة المالية العالمية لا تزال تحاول الخروج من التأثيرات الضخمة التي أوجدها زلزال 2011.
لكن وبعد 5 سنوات من اندلاع الأزمة لم تفلح إجراءات التيسير معالجة جسد الاقتصاد العالمي المعتل. وفي أحدث تقرير له رسم صندوق النقد الدولي صورة قاتمة للنمو الاقتصادي في البلدان الثلاثة خلال العام الحالي حيث خفض توقعاته للنمو الأميركي إلى 1.9 % مقابل 1.6 % لليابان، كما رجح انكماش اقتصاد منطقة اليورو بنحو 0.3 %. وبسبب الرؤية السلبية للاقتصادات الكبرى قلص الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.3 % خلال العام الحالي. ولم تنجح المعالجات في تخفيف أزمة البطالة التي تشكل هاجساً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً كبيراً. وأظهرت بيانات أصدرتها وزارة العمل الأميركية الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الأميركي أضاف 88 ألف وظيفة فقط في مارس لتبقى معدلات البطالة عند 7.7 %. أمام في أوروبا فقد سجلت البطالة معدلات تاريخية عند 12 % حيث كشفت بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي عن وجود 19 مليون عاطل في دول منطقة اليورو. وارتفعت معدلات البطالة في اليابان التي كانت دوماً تعرف بجنة التوظيف إلى 4.5 %.
كما تتضخم الديون الحكومية وترتفع معدلات العجز بشكل مقلق، حيث وصل حجم ديون الاقتصادات الثلاثة إلى 39 تريليون دولار. وتخطت ديون الولايات المتحدة الأميركية 14.5 تريليون دولار أي ما يعادل 97 % من الناتج المحلي الإجمالي فيما بلغ العجز نحو 1.09 تريليون دولار أي ما يعادل 7 % من الناتج. ووصلت ديون اليابان إلى 13.5 تريليون دولار أي نحو 230٪ من الناتج المحلي الإجمالي ويدور عجز الميزانية عند حدود 6.8 %. وفي منطقة اليورو يقدر حجم الدين العام بنحو 11 تريليون دولار فيما بلغ متوسط العجز بدول المنطقة 6.2 %.
أهداف فاشلة
ويرى العديد من المراقبين أن أموال الإنقاذ الضخمة لم تفلح في معالجة الأزمة في الاقتصادات الكبرى التي وجدت نفسها مطوقة بأزمة مالية طاحنة أجبرتها على ضخ تلك الأموال وتخفيض أسعار الفائدة إلى حدود قريبة من الصفر تقريباً. وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي الذي دفع المصارف المركزية لضخ هذه الأموال الضخمة كان يتمثل في حفز النمو وخفض معدلات البطالة ودعم الأنظمة المصرفية وزيادة الإنفاق إلا أن آثار سلبية كبيرة نجمت عن التدفق الهائل للنقد. وتمثلت أبرز الآثار السلبية في رفع معدلات التضخم وأفقدت الكثير من العملات الرئيسية جزءا كبيرا من قيمها الأساسية.
فرحة مؤقتة
والملاحظ أن الأسواق سرعان ما تفوق من نوبات الفرح العارمة التي تنتابها في أعقاب الإعلان عن خطة تحفيز إضافية في أميركا أو أوروبا أو اليابان. وأدت هذه الوضعية إلى حالة من الارتباك والارتياب في أوساط المستثمرين. وعلى الرغم من أن الأسواق الناشئة كانت بعيدة بعض الشيء عن محور الأزمة، إلا أنها تأثرت بشكل كبير من إجراءات التيسير النقدي التي صاحبتها إجراءات حمائية أخرى خصوصاً في أميركا.
لكن في الجانب الآخر يقول المدافعون عن خطط التيسير الكمي إنها توسع القاعدة النقدية وتشجع بالتالي التبادلات التجارية وتضمن استمرارية أسواق المواد الخام التي تصدرها العديد من البلدان الناشئة. كما يقولون إن السيولة الزائدة تتدفق إلى البلدان المختلفة متخطية كافة قيود المخاطر وغيرها من العوامل التي تحد من الاستثمارات العابرة للحدود. ويرد المنتقدون على ذلك بالقول إن السنوات الثلاث الماضية شهدت تراجعاً كبيراً في حجم التدفقات الرأسمالية، حيث أشار أحدث تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) إلى تراجع الاستثمارات العابرة للحدود 18 % في 2012 إلى 1.3 تريليون دولار مقارنة مع 1.6 تريلون في 2011 وكان نصيب البلدان النامية من التراجع 9.5 %.
أسواق الصادرات
وتضررت أسواق الصادرات أكثر بتباطؤ الاقتصاد العالمي، مما يشكل دليلاً أكثر على أن خطط التحفيز الثلاثية لم تنعكس إيجاباً على الدول الناشئة والنامية والتي تشكل حلقة التصدير الكبرى للسلع الأولية. وبعد أن ضخ المستثمرون نحو 400 مليار دولار في السلع الأولية على مدار السنوات الماضية بدأوا الآن في البيع متخوفين من حالة الضبابية التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وتقوضت الثقة في أن قيمة الأصول الخطرة سترتفع بزيادة التمويلات الرخيصة التي تقدمها البنوك المركزية بعد عدم استجابة الاقتصاد العالمي للتحفيز. وكانت النتيجة الاضطرابات الكبيرة في أسعار الذهب التي شهدت أكبر خسارة يومية في 30 عاما منتصف الأسبوع الماضي، كما تراجع النفط إلى ما دون الـ 100 دولار. وتراجع خام برنت نحو 16 % من ذروته في العام الحالي والتي بلغها في الثامن من فبراير عندما وصل إلى 119.17 دولارا. ويزيد تحديد تداعيات بيع السلع الأولية تعقيدا لأنه لا يمكن عزلها عن غيرها من التطورات. لكن في الجانب الآخر يعد تراجع أسعار السلع الغذائية ميزة خاصة في الدول التي تشهد معدلات تضخم عالية مزعجة مثل اندونيسيا التي بلغ فيها معدل التضخم أعلى مستوى له خلال عامين في مارس ليصل إلى 5.9 %. وارتفعت أسعار المستهلك في الولايات المتحدة 1.5 % في 12 شهرا حتى مارس. ولمح البنك المركزي الأوروبي إلى استعداده لفعل المزيد. وفي ظل توقع خبراء الاقتصاد في البنك بوصول معدل التضخم إلى 1.3 %.
تأجيج المخاوف
وأججت سياسات التيسير الكمي الخلافات حول أسعار الصرف وجعلت الدول الناشئة والمنتجة للسلع الأولية تتهم الدول الولايات المتحدة واليابان بالسعي لخفض عمليتهما عبر برامج التيسير وطبع المزيد من النقود من أجل تعزيز تنافسية صادراتها. واعتبر الكثير من الدول المصدرة أن تخفيف القيود النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركية إيذاناً صريحاً بخفض قيمة الدولار.
وفي الجانب الآخر يؤدي تدفق الأموال الساخنة من أوروبا وأميركا بشكل رئيسي في تقلب وارتفاع قيمة العملات المحلية لاقتصادات أفريقيا وآسيا التي تعتمد بشكل كبير على عائدات تصدير السلع الأساسية، مما يجعلها في موقف ضعيف أمام المستوردين الرئيسيين. وتحدث التقلبات الكبيرة في أسعار العملات آثارا مدمرة على الصناعة والتجارة والتدفقات الاستثمارية على المدى الطويل.
آليات التحفيز
وتقوم آليات التحفيز النقدي على شراء البنوك المركزية الثلاثة سندات حكومية أو غيرها لتوفير الأموال للبنوك للاقتراض، مما يوسع من كمية النقود المتداولة في الاقتصاد. كما تتضمن الآلية أيضاً عمليات شراء أصول وتقديم تمويل مباشر في شكل دعم للشركات الأكثر تأثراً من أجل ضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتفادي شطب مزيد من الوظائف، وبالتالي تقليص الأعباء الناجمة عن ارتفاع معدلات البطالة.
550 مليار دولار تحفيز بريطاني
وسع بنك إنجلترا المركزي خلال الفترة الأخيرة برنامج شراء الأصول إلى ما فوق 550 مليار دولار، وذلك لضخ مزيد من الائتمانات في الاقتصاد البريطاني الراكد ليشمل المؤسسات المالية المتخصصة. ويعكف بنك انجلترا ووزارة الخزانة على إعداد خطط لتوسيع برنامج التمويل لدعم الإقراض. ويخضع وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن لضغوط من أجل بذل المزيد من الجهد لتعزيز النمو بعد أن خسرت بلاده تصنيفها الائتماني الممتاز، فيما قال صندوق النقد الدولي إن الحكومة يجب أن تفكر في إبطاء وتيرة برنامجها الخاص بتقليص العجز.
وسيتم توسيع نطاق البرنامج ليشمل المؤسسات المتخصصة مثل المؤسسات المالية التي تقرض بضمان الأصول وبيوت التمويل وشركات التأجير في مسعى لتهدئة الأزمة الائتمانية التي ما زالت تؤثر على الشركات الصغيرة.
التيسير الكمي سياسة غير تقليدية في زمن استثنائي
يوصف الخبراء التيسير الكمي على أنه سياسة نقدية غير تقليدية تستخدمها البنوك المركزية في الأوقات الاستثنائية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة. حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المحددة مقدما في الاقتصاد. وتتميز هذه عن السياسة المعتادة أكثر لشراء أو بيع الأصول المالية بالحفاظ على معدلات الفائدة في السوق عند قيمة الهدف المحدد.
وينفذ البنك المركزي التسهيل الكمي من خلال شراء الأصول المالية من البنوك ومن شركات القطاع الخاص بالأموال الجديدة المنشأة إلكترونياً ويزيد هذا الإجراء من الاحتياطيات الفائضة للبنوك، وكذلك يرفع أسعار الأصول المالية التي تم شراؤها مما يُخفض من عائداتها.
وعادة ما تنطوي السياسة النقدية التوسعية على شراء البنك المركزي للسندات الحكومية قصيرة الأجل من أجل خفض معدلات فائدة السوق قصيرة الأجل باستخدام مزيج من تسهيلات الإقراض الثابتة وعمليات السوق المفتوحة. ومع ذلك، فعندما تكون معدلات الفائدة قصيرة الأجل إما عند صفر أو قريبة منه، فإن السياسة النقدية العادية لا تكون قادرة على خفض معدلات الفائدة. ثم قد تستخدم السلطات النقدية التسهيل الكمي لزيادة تنشيط الاقتصاد بشراء أصول ذات فترات استحقاق أطول فحسب من السندات الحكومية قصيرة الأجل، وبالتالي تخفيض معدلات الفائدة ذات الأجل الأطول بالإضافة على منحنى العائد.
في العادة، يُنفذ البنك المركزي السياسة النقدية برفع أو خفض معدل الفائدة المستهدف من أجل معدل الفائدة بين البنوك. وعموماً، يُحقق البنك المركزي معدل الفائدة المستهدف في الأساس من خلال عمليات السوق المفتوحة، حيث يقوم البنك المركزي بشراء أو بيع السندات الحكومية قصيرة الأجل من البنوك والمؤسسات المالية الأخرى. وعندما يقوم البنك المركزي بصرف أو تحصيل هذه السندات، فإنه يُغيّر مبلغاً من المال في الاقتصاد، في حين أنه في الوقت ذاته يؤثر على سعر وبالتالي على العائد السندات الحكومية قصيرة الأجل. وهذا بدوره يؤثر على معدلات الفائدة بين البنوك.
وإذا كان معدل الفائدة الاسمية عند صفر أو قريباً منه للغاية، فلا يُمكن للبنك المركزي أن يجعله أقل من ذلك. ويُمكن أن تحدث هذه الحالة، الذي يُسمى فخ السيولة، على سبيل المثال، خلال الانكماش الاقتصادي أو عندما يكون التضخم منخفض جدا. وفي هذه الحالة، فإن البنك المركزي قد يؤدي التسهيل الكمي بشراء كمية محددة مقدما من السندات أو الأصول الأخرى من المؤسسات المالية بصرف النظر عن معدل الفائدة. والهدف من هذه السياسة هو زيادة المعروض النقدي بدلاً من خفض معدل الفائدة التي لا يُمكن أن تنخفض أكثر من ذلك.
ويُمكن فحسب تنفيذ التسهيل الكمي، والسياسة النقدية بشكل عام، إذا سيطر البنك المركزي على العملة المستخدمة.
