تتزايد أهمية المملكة المتحدة كشريك تجاري واستثماري لمنطقة مجلس التعاون الخليجي بالرغم من أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يكافح لكي يتعافى من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية.

وأظهرت تحليلات مجموعة "كيو ان بي" أن الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة قد انكمش بنسبة 63٪ خلال الفترة بين شهر ابريل 2008 وشهر يونيو 2009. ومنذ ذلك الحين كان التعافي ضعيفاً وحتى بعد مرور أربع سنوات لم يستطع الاقتصاد البريطاني استعادة ما فقده خلال الأزمة ومن غير المتوقع أن يستعيد خسائره قبل عام 2015. يُعيق قطاعان رئيسيان وهما الخدمات المالية والنفط والغاز تعافي الاقتصاد البريطاني. كما أن محاولات تقليص العجز في الموازنة العامة تؤثر أيضاً على النمو الاقتصادي على المدى القصير.

خدمات مالية

يمثل قطاع الخدمات المالية مكونا مهما في الاقتصاد حيث يستحوذ على ما يقارب من الناتج المحلي الإجمالي نظراً لدور مدينة لندن كمركز مالي عالمي. وقبل الأزمة المالية العالمية، كان قطاع الخدمات المالية ينمو بمعدلات تصل إلى ما يقارب ضعف معدل النمو في إجمالي الاقتصاد. لكن عقب الأزمة تراجع النمو في الخدمات المالية ويتعرض لضغوط بسبب الحاجة إلى تقليص معدلات القروض في الميزانيات العمومية للبنوك والمؤسسات المالية.

تراجع

يتراجع إنتاج المملكة المتحدة من النفط والغاز بسرعة بسبب انخفاض المخزون في حقول بحر الشمال. لا توجد علاقة بين التراجع في إنتاج النفط والغاز والأزمة المالية العالمية، لكن توقيته زاد من صعوبة التعافي الاقتصادي. فقد كانت المملكة المتحدة من مصدري النفط حتى عام 2005 (ومن مصدري الغاز الطبيعي حتى عام 2004)، لكن إنتاج النفط تراجع إلى 0.9 مليون برميل يومياً في عام 2012.

وهو ما يمثل نصف مستويات الإنتاج في عام 2005 وثلث أعلى معدل بلغه إنتاج النفط في بريطانيا خلال عام 1999. كما أن معدل الإنتاج الحالي بالنسبة للمخزون لا يتجاوز عشر سنوات بالرغم من أن الاستثمارات وعمليات الاستكشاف الجديدة لا بد أن تساعد في زيادة المخزون. بالنسبة للغاز الطبيعي، هناك بعض التوقعات الايجابية حول مشاريع استغلال مصادر الغاز الصخري البرية والتي شهدت دعماً مؤخراً بتخفيض الضرائب عليها في موازنة عام 2013. وقد أدى تراجع إنتاج الغاز في المملكة المتحدة إلى استيراد الغاز من دولة قطر.

تقشف

قامت الحكومة البريطانية بتطبيق برنامج تقشف مؤلم منذ عام 2010 للسيطرة على العجز في الموازنة. وتواجه الحكومة مشاكل صعبة في محاولة تحقيق التوازن خلال التعامل مع قضية الدين العام.

فهي تحتاج إلى إبطاء النمو بالأسعار الجارية من خلال تقليص العجز الأساسي، وفي نفس الوقت تحتاج إلى تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي لتقليص حجم الدين العام بالنسبة للاقتصاد الكلي، لكن السياسات التقشفية تعيق هذا النمو. ورغم أن المملكة المتحدة فقدت تصنيفها الائتماني المتميز عند AAA بعد أن قامت مؤسسة موديز بتخفيض هذا التصنيف في فبراير 2013، إلا أن هذا التخفيض لم يؤد إلى زيادة كبيرة في تكاليف الاقتراض نظراً لأن الأسواق أخذت في اعتبارها احتمال تخفيض التصنيف الائتماني.

تراجع الطلب

واجه الاقتصاد ضربة جديدة من أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو العام الماضي حيث تراجع الطلب من الشريك التجاري الرئيسي للمملكة المتحدة وأدى إلى نمو اقتصادي بنسبة %0.2 فقط خلال عام 2012، وهو أدنى معدل نمو منذ عام 2009.

ويشير متوسط توقعات خبراء الاقتصاد في استطلاع لمؤسسة بلومبرغ على أن معدلات النمو سترتفع من %0.9 هذا العام لتصل إلى %2 بحلول عام 2015 والذي سيكون أعلى معدل للنمو منذ عام 2007. ومن بين المؤشرات السلبية الأخرى معدلات البطالة المرتفعة والتي تتراوح حول %8 ومعدلات التضخم التي تجاوزت المعدل الرسمي المستهدف عند %2 لأكثر من ثلاث سنوات.

التضخم

من المستبعد تخفيض معدل التضخم إلى مستويات أقل من المستهدف في المستقبل القريب بسبب التوقعات باستمرار بنك انجلترا (البنك المركزي) في سياسات التخفيف النقدية والتي تهدف إلى تشجيع الإقراض للأعمال للمساعدة في تحفيز النمو الاقتصادي. لا يزال سعر الفائدة الأساسي للبنك المركزي عند مستوى متدن تاريخي بمعدل %0.5 منذ عام 2009 .

ومن المتوقع أن يظل عند تلك المستويات لثلاث سنوات أخرى على الأقل. علاوة على ذلك، يمتلك بنك انجلترا حالياً 4 من السندات البريطانية نتيجة لعمليات شراء السندات في إطار سياسات التخفيف الكمي. كما أن هناك توقعات بأن محافظ بنك انجلترا الجديد مارك كارني، والذي سيتولى مهام منصبه في شهر يوليو، سيتخذ المزيد من سياسات التوسع النقدي. وهذا يفسر تراجع الجنيه الإسترليني مؤخراً حيث فقد ما يقارب %7 من قيمته أمام الدولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

صعوبات

رغم الصعوبات الحالية في المملكة المتحدة، إلا أنها تظل سادس أكبر اقتصاد بالعالم وتتمتع بمناخ اقتصادي متميز بما في ذلك تراجع الضرائب على الشركات ما يجذب الشركات الأجنبية. لهذه الأسباب، بالإضافة إلى العلاقات التاريخية، تعتبر المملكة المتحدة شريكا تجاريا واستثماريا مهما لدول مجلس التعاون الخليجي وهناك جهود من الجانبين لتعزيزها.

تأتي منطقة مجلس التعاون الخليجي ضمن أكبر عشر وجهات لصادرات المملكة المتحدة، كما أنها ثاني أكبر مصدر للنفط والغاز بعد النرويج. وحسب بيانات صندوق النقد الدولي، تعتبر تاسع أكبر مصدر لواردات السلع إلى مجلس التعاون الخليجي.

كما أن صادرات المنطقة إلى المملكة المتحدةارتفعت في 2011 بفضل صادرات الغاز الطبيعي من قطر، حيث تعتبر بريطانيا أكبر مستورد للغاز القطري. وعلاوة على تجارة السلع العينية، تعتبر المملكة المتحدة من أكبر مصادر خدمات الأعمال إلى المنطقة.ولطالما كانت المملكة المتحدة محط أنظار المستثمرين من مجلس التعاون الخليجي، حيث يمتلك كثيرون عقارات في لندن إضافة إلى حصص بكبرى الشركات.