قال رئيس قبرص أمس إن بلاده لا تنوي الخروج من منطقة اليورو وطمأن القبارصة بأنه قد تم "احتواء" الخطر في أعقاب اتفاق إنقاذ مع الاتحاد الأوروبي بشروط قاسية.

وجاءت كلمة الرئيس نيكوس اناستاسيادس بعد أن أعادت البنوك القبرصية فتح أبوابها أمس الخميس بعد إغلاق استمر نحو أسبوعين لمنع التهافت على سحب الودائع بعد أن أصبحت الجزيرة الواقعة في شرق البحر المتوسط على شفا الإفلاس.

وقال اناستاسيادس في مؤتمر في نيقوسيا "لا نية لدينا للخروج من اليورو... لن نغامر أبداً بمستقبل بلدنا". وانتقد اناستاسيادس - الذي لم يكد يكمل شهراً في منصبه - شركاء قبرص في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة متهماً إياهم "بتقديم مطالب غير مسبوقة أجبرت قبرص على أن تكون تجربة".

وللمرة الأولى منذ تفجر أزمة الديون في أوروبا أجبر المودعون على تحمل جزء من تكلفة خطة الإنقاذ التي تهدف لمساعدة قبرص على سداد ديونها والبقاء في منطقة اليورو.

وقال اناستاسيادس "تفادينا خطر الإفلاس... الموقف بالرغم من كل مآسيه تم احتواؤه". وذكر الرئيس القبرصي أن القيود التي فرضتها الجزيرة على التعاملات المصرفية - والتي لم يسبق لها مثيل في منطقة اليورو منذ بدء تداول العملة الموحدة عام 2002 - ستلغى تدريجياً لكنه لم يحدد إطاراً زمنياً.

وتمكن اناستاسيادس من إبرام اتفاق الإنقاذ في اللحظات الأخيرة في بروكسل قبل خمسة أيام لكنه قوبل بردود فعل غاضبة من القبارصة بسبب ثمن هذا الاتفاق وهو إغلاق البنك الشعبي القبرصي ثاني أكبر بنوك الجزيرة والذي يعرف أيضاً باسم لايكي والسيطرة على الودائع التي تزيد على 100 ألف يورو.

ويصر الزعماء الأوروبيون على أن السيطرة على الودائع الكبيرة في قبرص هو إجراء لن يتكرر في إدارتهم لأزمة الديون.

لكن صانعي السياسة المالية منقسمون وقد تكدرت الأجواء بعد يوم من توقيع الاتفاق حين قال جيروين ديسيلبلوم رئيس مجموعة وزراء مالية منطقة اليورو إن هذه الخطة ستكون نموذجاً لحل الأزمات في المستقبل.

وتراجع ديسيلبلوم عن هذه التصريحات بعد أن دفعت الأسواق للهبوط. لكن كلاس نوت عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي قال إن هذا التقدير لم يجانبه الصواب.

ونقلت صحيفة هيت فاينانسيل داجبلاد الهولندية أمس عن نوت قوله في إشارة إلى ديسيلبلوم "فحوى تصريحاته هو المنهج المطروح في أوروبا منذ فترة طويلة".

وبعد سلسلة من التقلبات قبلت جمهورية قبرص فجر الاثنين خفضاً كبيراً لحجم قطاعها البنكي في مقابل مساعدة بقيمة عشرة مليارات من ترويكا الدائنين (صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي). وتشمل إعادة الهيكلة اقتطاعات كبيرة من الودائع التي تفوق مئة ألف يورو في "بنك قبرص" أكبر مصارف البلاد وتصفية بنك "لايكي" ثاني المصارف. ويعمل في البنكين لوحدهما 5600 شخص في جمهورية قبرص التي يبلغ عدد سكانها نحو 850 ألف نسمة.

واعتبر صندوق النقد الدولي الخميس انه من "الصعب" تطبيق خطة إنقاذ قبرص التي تجمع بين تصفية مصرف واقتطاع جزء كبير من الودائع الكبرى في دول أوروبية أخرى، مشيراً إلى ان "حالة قبرص معقدة كثيراً وفريدة بطبيعتها. سيكون من الصعب تطبيق هذه الحالة في سائر أنحاء أوروبا أو العالم".

وترافقت إعادة فتح المصارف اليوم مع تضييقات مبررة، بحسب مرسوم وزاري، بـ "نقص السيولة الكبير ومخاطر هروب الودائع بشكل كثيف، مع ما يمكن ان ينتج عنهما من انهيار لمؤسسات الإقراض" و"العواقب المتسلسلة" التي تهدد "الاقتصاد بمجمله".

وتحد إجراءات الرقابة على الأموال عمليات الدفع والتحويل إلى الخارج بخمسة آلاف يورو في الشهر للشخص الواحد وللمصرف الواحد ولن يكون بوسع المسافرين إلى الخارج ان يحملوا أكثر من ألف يورو نقداً، بموجب مرسوم وزاري يستمر مفعوله لأربعة أيام على الأقل. ولتفادي أي نقص، مد البنك المركزي الألماني جمهورية قبرص بكميات من الأموال قبل فتح المصارف.

وقال متحدثان باسم مؤسستين لوكالة فرانس برس "إن الأوراق النقدية مصدرها الاحتياطي اللوجستي للبنك المركزي الأوروبي المخزنة لدى البنك المركزي الألماني"، دون تحديد قيمة هذه الأموال.

وبحسب مصدر مالي فإن قيمتها "لا تقل عن خمسة مليارات يورو". وتنتظر جمهورية قبرص التي دخل اقتصادها حالة ركود منذ عامين، لترى آثار الكارثة البنكية على مجمل اقتصادها. وفي سوق لا يزال قلقاً بقي سعر صرف اليورو أول من أمس دون 1,28 دولار التي نزل إليها للمرة الأولى منذ أربعة أشهر الأربعاء. ويستمر غلق بورصة جمهورية قبرص منذ 16 مارس.

لوبي بنكي

واعتبر معهد المالية الدولي الذي يمثل أكبر المصارف في العالم، أول من أمس ان هناك "احتمالاً حقيقياً" لرؤية قبرص تخرج من منطقة اليور بعد خطة إنقاذها المثيرة للجدل.

وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في المعهد فيليب سوتلي "إنها أول حالة يمكن ان نرى فيها شكلاً من الخروج (من منطقة اليورو) كاحتمال حقيقي"، مضيفاً ان ذلك سيكون "أسهل تماماً" بالنسبة لدولة صغيرة مثل جمهورية قبرص. وأوضح في مؤتمر صحافي ان "قبرص بصدد المعاناة من كل الضربات المرتبطة باليورو دون الحصول على أية فوائد"، مشيراً إلى خفض قيمة الودائع البنكية والركود الاقتصادي المتوقع في البلد الذي ضرب قطاعه المصرفي البالغ الأهمية في اقتصاده.

ومعهد المالية الدولي ومقره واشنطن، يمثل مصالح أكثر من 470 مؤسسة مالية في العالم.

بنوك قبرص تفتح

فتحت المصارف القبرصية أبوابها صباح أمس وفق ساعات الدوام الاعتيادي ولكن مع التزام بتطبيق القيود المفروضة على حركة الأموال بصورة غير مسبوقة في منطقة اليورو تجنباً لهروب الرساميل بعد التوصل إلى خطة دولية لإنقاذ قبرص من الإفلاس.

وتفتح بنوك الجزيرة عادة أمام العملاء بين الثامنة والنصف صباحاً والواحدة والنصف بعد الظهر. ولدى إعادة فتحها الخميس بعد 12 يوماً من الإغلاق. وأكد مصدر في "هللينك بنك" ثالث بنوك الجزيرة ان النشاطات الرئيسية تركزت على سحب المبلغ المسموح به وهو 300 يورو كحد أقصى في اليوم، وإيداع المال والشيكات التي لا يمكن سحبها نقداً، وفتح حسابات جديدة. ونصت خطة الإنقاذ المالي لقبرص على تصفية "لايكي بنك" ثاني بنوك الجزيرة، وإعادة هيكلة "بنك قبرص" وهو أكبرها.

ولا يسمح للأفراد بتحويل مبالغ للخارج إلا في حالات محددة كتمويل دراسة الأبناء أو للعلاج، بموجب الوثائق اللازمة، وبعد الحصول على موافقة البنك المركزي. ولكن يسمح للشركات بتحويل حتى 5 آلاف يورو يومياً مقابل تقديم الوثائق التي تثبت ان هذا التحويل يقع ضمن نطاق نشاطها.

ولم يشهد اول من أمس أي حوادث تذكر وهو ما دعا الرئيس إلى أن يوجه الشكر إلى مواطنيه على "حسهم العالي بالمسؤولية".