فتحت البنوك في قبرص أبوابها، أمس، لست ساعات بعد إغلاق استمر نحو أسبوعين، لتعمل وفق قيود صارمة للمعاملات لمنع هروب الرساميل من الجزيرة، ومنع المودعين من التهافت على سحب الودائع، وذلك بعد أن اضطرت الجزيرة لقبول حزمة إنقاذ بشروط قاسية من الاتحاد الأوروبي لتفادي الإفلاس.
وفي وسط نيقوسيا وقفت طوابير كل منها مكون من 12 شخصاً على الأقل خارج فروع أكبر بنكين في الجزيرة، وهما بنك قبرص والبنك الشعبي القبرصي المعروف أيضاً باسم «لايكي». وتترافق إعادة فتح المصارف مع قيود مالية غير مسبوقة في منطقة اليورو.
حيث تم الحد من عمليات الدفع والتحويل إلى الخارج بخمسة آلاف يورو في الشهر للشخص الواحد وللمصرف الواحد، ولن يكون بوسع المسافرين إلى الخارج أن يحملوا أكثر من ألف يورو نقداً، بموجب مرسوم وزاري يستمر مفعوله لأربعة أيام على الأقل.
أما عمليات السحب في المصارف ونقاط الصرف الألي فحددها المرسوم بـ300 يورو في اليوم للشخص والمصرف في اليوم.
واتفقت قبرص مع ترويكا الدائنين الدوليين على خطة بقيمة عشرة مليارات يورو لإنقاذها من الإفلاس، ولقاء ذلك ستعمد إلى إعادة هيكلة صارمة لنظامها المصرفي سيدفع ثمنها بنك لايكي وبنك قبرص.
فريق تحقيق
عينت الحكومة القبرصية الخمس لجنة مؤلفة من ثلاثة قضاة سابقين في المحكمة العليا للتحقيق في احتمال وجود أعمال جنائية قد تكون أدت إلى الأزمة المصرفية في الجزيرة، على ما أعلن مستشار رئاسي.
وستكلف اللجنة تحديد ما إذا كانت هناك «مسؤوليات جنائية أو مدنية أو سياسية» تسببت بالأزمة المصرفية، على ما أعلنت نائب أمانة سر الرئاسة قسطنطينوس بتريدس.
طوابير
اصطف القبارصة في طوابير أمام البنوك التي عاودت فتح أبوابها. وعاد موظفو البنوك للعمل في الصباح الباكر مع نقل الأموال في عربات مصفحة، بينما تشكلت طوابير كل منها من عشرة أشخاص على الأقل أمام فروع البنوك في العاصمة.
ولم يحدث ما يشير إلى تدافع كبير لسحب الأموال، كما كان يخشى من قبل. وقالت السلطات: إن القواعد الطارئة التي فرضت للحد من عمليات السحب ومنع التهافت على البنوك ستكون مؤقتة لمدة سبعة أيام في بادئ الأمر، لكن خبراء اقتصاديين يقولون: إن من الصعب رفعها ما دام الاقتصاد في أزمة.
300 يورو
وأعلنت وزارة المالية القبرصية، أول من أمس، مرسوماً يحد من حركة رؤوس الأموال تفادياً لمغادرتها البلاد لدى إعادة فتح المصارف. إذ حدد سحب الأموال نقداً في المصارف أو من أجهزة الصرف الآلي بـ300 يورو يومياً لكل فرد ولكل مصرف. وبموجب قرار سيمنع الأفراد من حمل أكثر من ألف يورو نقداً لدى سفرهم إلى الخارج، أما التحويل إلى الخارج والشراء أو السحب ببطاقات الائتمان في الخارج فسيتم تحديده بخمسة آلاف يورو.
والمرسوم الصالح لأربعة أيام لن يسمح بصرف الشيكات نقداً كما يفعل الكثير من القبارصة وسيسمح لهم فقط بإيداعها في حساباتهم.
ولن يحدد سقف للتعاملات التجارية لكن إذا كانت ما فوق خمسة آلاف يورو ستضطر المؤسسات لإثبات إلى لجنة أن النفقات توازي أنشطتها العادية وإذا زادت على 200 ألف ستدرس اللجنة وضع المصرف قبل إعطاء موافقتها.
وستتمكن الشركات من دفع أجور موظفيها وشركات التأمين من صرف التعويضات من دون قيود. كما سيتمكن القبارصة من دفع مصاريف دراسة أبنائهم في الخارج بمعدل عشرة آلاف يورو كل ثلاثة أشهر.
وتطبق هذه القيود على كل الحسابات والدفعات والتحويلات بكل العملات، ما عدا البعثات الدبلوماسية.
وفي السياق قرر الرئيس القبرصي تخفيض راتبه بنسبة 25 % فيما ستخفض رواتب وزرائه بنسبة 20 %. وسيتخلى الجميع عن راتب الشهر الإضافي.
حالة فريدة
ولمثل هذه الإجراءات سوابق ولو أنها قليلة. ففي السنوات الأخيرة اتخذت آيسلندا والأرجنتين تدابير مماثلة كانت لها مفاعيل اقتصادية يصعب تقييمها، ولكنها كانت بالتأكيد مجدية على صعيد الحد من حركة الرساميل، وتحديداً في آيسلندا.
وأشار مصدر مقرب من الملف القبرصي إلى أنها سابقة في منطقة اليورو، وأن فرض الرقابة كان موضع تشاور مع السلطات القبرصية قبل إبرام خطة مساعدة البلاد مع ترويكا الدائنين الدوليين.
وقال إيف ميرش عضو إدارة البنك المركزي الأوروبي: إن الحل الذي تم التوصل إليه لإنقاذ جمهورية قبرص «ليس نموذجاً» قابلاً للتطبيق في بلدان أخرى بمنطقة اليورو.
وأضاف ميرش في مقابلة مع صحيفة «إكسبانسيون» الاقتصادية الإسبانية، أن «الحل القبرصي ليس نموذجاً، بل إنها إجراءات خاصة تتلاءم مع وضع حقيقة استثنائي».
وتابع «لا أرى بلداً واحداً في منطقة اليورو يمكن أن تنطبق عليه الحالة القبرصية»، مشدداً «يجب أن نوجه رسالة واضحة للمستثمرين والمدخرين الدوليين بأن أموالهم في أمان في منطقة اليورو».
وميرش يرد بذلك على تصريحات لرئيس مجلس وزراء مالية دول منطقة اليورو يورين ديسلبلويم، الذي ألمح في مقابلة لصحيفة «فايننشال تايمز»، أن الحل الذي وجد لجمهورية قبرص يمكن إعادة تطبيقه في دول أخرى هشة بمنطقة اليورو.
ثم عاد بعد ساعات عن تصريحاته، ليؤكد أن حالة جمهورية قبرص هي خاصة وأن خطة الإنقاذ لا يمكن أن تكون نموذجاً.
لكن التصريحات الأولى تسببت الاثنين في تراجع البورصات.
واعتبر وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله، أن قبرص حالة فريدة جداً، وأن الاتحاد الأوروبي وجد الحل المناسب باتفاقه على خطة إنقاذ بقيمة عشرة مليارات يورو مرتبطة بتحميل المودعين بعض الخسائر.
واعتبرت المفوضية الأوروبية أن ضوابط رأس المال المطبقة من قبرص لمنع استنزاف بنوكها إجراءات مبررة، وتتفق وقواعد الاتحاد الأوروبي، بينما دعت إلى عودة حرية الحركة لرأس المال في أسرع وقت ممكن.وأكدت المفوضية أنها ستراقب بدقة مع السلطات القبرصية والدول الأعضاء والمصرف المركزي الأوروبي والسلطة المصرفية الأوروبية تطبيق الإجراءات المفروضة.
استمرار الأزمة في منطقة اليورو يؤخّر انتعاشاً عالمياً
قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير نشر أمس، إن النشاط الاقتصادي العالمي ينتعش إلاّ أن استمرار أزمة منطقة اليورو يؤخّر تحقيق انتعاش حقيقي.
وقدّم التقرير في باريس، كبير الاقتصاديين في المنظمة بيار بادوان، الذي قال إن "الاقتصاد العالمي ضعف في نهاية عام 2012 ولكن الوضع العام يتحسّن في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية".
وأضاف أن "عملاً سياسياً جريئاً لا يزال ضرورياً لضمان انتعاش أكثر استدامة، خصوصاً في منطقة اليورو حيث النمو غير متساوٍ، ولا يزال أبطأ من مناطق أخرى".
وقال بادوان إنه من المتوقع أن تنمو اقتصاديات مجموعة الدول السبع على أساس سنوي بنسبة 2.4% في الفصل الأول من العام 2013 و1.8% في الفصل الثاني.
وتوقع التقرير أن تنمو الاقتصادات الأكبر في أوروبا أي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بنسبة 0.4% خلال الفصل الأول، وتوقع نمو الاقتصاد الألماني 2.3% في الفصل الأول وبنسبة 2.6% في الثاني، وتوقع أن ينكمش الاقتصاد الفرنسي 0.6% في الفصل الأول، وأن ينمو 0.5% في الفصل الثاني. أما الاقتصاد الإيطالي فيتوقع أن يتراجع 1.6% في الفصل الأول وبـ 1% في الفصل الثاني.
وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة حققت نمواً ضعيفاً في الفصل الرابع من 2012 (0.4%) غير أنه من المتوقع أن يشهد انتعاشاً 3.5% في الفصل الأول من 2013 قبل أن يعود إلى نمو متواضع 2% في الفصل الثاني. وتوقع أن يتسارع النمو في اليابان من المستويات المنخفضة إلى 3.2% في الفصل الأول و2.2% في الثاني بينما توقع أن ينمو الاقتصاد البريطاني 0.55 في الفصل الأول و1.4% في الفصل الثاني.
