تتكدس أصناف المخبوزات من أرغفة الخبز الفرنسي والكرواسون والكعك في واجهات العرض بالمخبز الذي يعمل به محمد أليف في وسط القاهرة.. فالمواد الغذائية متوفرة في مصر لكن الأرباح شحيحة.

وخسر الجنيه المصري أكثر من ثمانية في المئة من قيمته أمام الدولار الأميركي منذ نهاية ديسمبر مع تزايد المخاوف من الحالة الاقتصادية التي نال منها غياب الاستقرار السياسي وتواصل الاضطرابات.

هذا إضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بوجه عام الذي زاد قيمة ما يدفعه مخبز مثل الذي يعمل فيه أليف مقابل المكونات المستوردة بالدولار لمخبوزاته وهو ما يهدد بدوره بتصاعد الغضب الشعبي ضد القيادة الجديدة.

ويعد شبح الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء مدفوعا بانخفاض قيمة الجنيه من المخاوف الرئيسية للرئيس محمد مرسي الذي يواجه نوبات اضطرابات بعد عامين على ثورة شعبية أطاحت بالرئيس حسني مبارك كان من أسبابها الشعور بمعاناة اقتصادية متفاقمة في بلد منغمس في الفقر حتى أذنيه.

امتصاص غلاء الأسعار

ويقول أليف: إن أسعار الدقيق والسكر زادت 50 في المئة عن السنة الماضية ويرى القائمون على المخبز أنه ليس أمامهم سوى امتصاص غلاء الأسعار بدلا من تمريره إلى العميل.

ويقول أليف، بينما يملأ أرفف مخبزه بالمخبوزات الطازجة ويبيع للمشترين، «لا أستطيع رفع الأسعار لأن الناس لن تتمكن من الشراء».

وقد يؤدي رفع الأسعار إلى إبعاد المشترين لكن المخاطرة الأكبر تتمثل في أن يؤدي اتفاع الأسعار بوتيرة سريعة وانخفض المعروض إلى تصاعد الاضطرابات في بلد لا يخلو تاريخه من مظاهرات الخبز.

وهذا أحد الأسباب التي تجبر حكومة مرسي على المضي قدما في توفير الخبز المدعم بمبالغ كبيرة جدا إذ يباع الرغيف بأقل من سنت أميركي للفقراء رغم ما يمثله ذلك من عبء ثقيل على الموازنة العامة.

لكن منتجات كالتي تباع في مخبز أليف غير مشمولة بالدعم وتستهدف عملاء أغنياء نسبيا وبالتالي فإن المخبز وغيره من منافذ ومحال تتحمل عبء زيادة الأسعار.

وتتوقع نانسي فهيم الاقتصادية ببنك ستاندرد تشارترد في دبي أن يحد ضعف الاقتصاد المصري من ارتفاع التضخم الكلي. وقالت: إن متوسط معدل التضخم في السنة المالية الحالية حتى يونيو قد يكون أقل من متوسط السنة الماضية الذي بلغ 8.7 في المئة.

ارتفاع معدل البطالة

وترى فهيم أن التضخم وارتفاع معدل البطالة الذي يبلغ 13 في المئة حسب البيانات الرسمية سيضغطان على الحكومة للإبقاء على الدعم رغم العبء على المالية العامة.

وتنفق الحكومة المصرية أكثر من 5.5 مليارات دولار على دعم الغذاء سنويا ويغطي الدعم أصنافا مثل الأرز والزيت والسكر. وأثارت قيود على دعم الخبز مظاهرات حاشدة عام 1977. وفي عام 2008 واجه مبارك مظاهرات بسبب عدم توفر الخبز.

ورغم ضعف العملة يبدو معروض الخبز وفيرا. لكن واردات الحكومة من القمح انخفضت بشكل حاد هذا العام بعدما صعبت الأزمة الاقتصادية على البلاد الانتظام في المدفوعات. وبين أول يناير ويوم 20 فبراير اشترت الحكومة نحو 235 ألف طن قمح أي نحو ثلث ما اشترته في نفس الفترة قبل عام.

وقال تجار قمح بالقاهرة: إن الحكومة بدأت تسحب من المخزون الإستراتيجي الذي يقدر بنحو 2.3 مليون طن على الأرجح لتجنب استخدام العملة الأجنبية في الاستيراد.

استيراد الطعام

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على الأحوال الجوية وكفاءة الجهاز الإداري وعوامل أخرى. وتعتمد مصر، أكبر مشتر للقمح في العالم، بكثافة على الاستيراد لإطعام مواطنيها وعددهم 84 مليون نسمة ونصف ما يستهلكه السكان من القمح مستورد.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إنه في عام 2011-2012 كان ربع المصريين يعيشون تحت خط الفقر الذي تضعه تقديرات محلية عند 1.65 دولار في اليوم. ويقول اقتصاديون: إن نسبة أكبر بكثير من المصريين تعيش فوق خط الفقر مباشرة.

ويقول محمد علي، الذي خرج لشراء بعض أغراضه في العاصمة القاهرة، إن غلاء الأسعار في الشهور الأخيرة جعل دخله يكفي احتياجاته الأساسية بالكاد. وقال علي، الذي وقف يشتري الخبز من أحد الشوارع المزدحمة بالعاصمة، إنه لا يمتلك ترف التفكير في أي بند ترفيهي مثل السفر.

وقال: «أسعار الغذاء ترتفع والاقتصاد معتل والسياسيون جالسون على مقاعدهم... دخلي يكفي الغذاء فقط».