أسدلت الولايات المتحدة الستار على دراما الهاوية متفادية كارثة اقتصادية بعدما اقر مشرعون اتفاقا يجنب البلاد زيادات في الضرائب وتخفيضات في الانفاق هددت بدفع أكبر اقتصاد في العالم نحو "هاوية مالية" تقود إلى ركود.

ووافق مجلس النواب الأميركي الذي يسيطر عليه جمهوريون على مشروع قانون يفي بتعهد الرئيس الأميركي باراك اوباما عند إعادة انتخابه برفع الضرائب على أصحاب الدخول الأعلى. وأقر المجلس في جلسة نادرة عقدت في وقت سابق في أول أيام العام الجديد- بأغلبية 257 صوتا ضد 167 صوتا وقال اوباما: إنه سيوقع على المشروع ليصبح قانونا خلال فترة وجيزة.

معارك مؤلمة

وتفادت أميركا الهاوية المالية لكنها ستواجه معارك مؤلمة بشأن الميزانية خلال الشهرين المقبلين بعد تأجيل مناقشة تخفيضات مزمعة لبرامج محلية وعسكرية بقيمة 109 مليارات دولار لمدة شهرين.

وقال أوباما: إن معارك الميزانية تركز على سد الثغرات الموجودة في الضرائب على الأغنياء وتحفيز الإبداع والابتكار وتوفير الوظائف وتحسين البنية الأساسية لتشجيع النمو الاقتصادي وتوسيع الفرص المتاحة أمام أي إنسان. وعقب الاقتراع بقليل أعرب اوباما عن أمله ألا تكون الاتفاقيات المستقبلية مصدر هلع للمواطنين مثلما كان الاتفاق الاخير.

وفي الوقت نفسه ابلغ اوباما الجمهوريين انه ينتظر منهم اقرار زيادة سقف الاقتراض للحكومة الاتحادية دون تكرار للمعارك المثيرة للانقسام التي شابت مواجهات سابقة. وأوضح: سأتفاوض بشأن أمور كثيرة ولكن لن أدخل في جدل آخر مع الكونجرس بشأن سداد الفواتير التي ارتفعت بالفعل.

جدل الضرائب

وينهي الاتفاق عقدين من الرفض الجمهوري لزيادة الضرائب إذ يقضي الاتفاق برفع الضرائب على الاكثر ثراء في حين يجعل التخفيضات المؤقتة التي تمتعت بها جميع الشرائح الاخرى دائمة. ورغم استياء كثيرين من الاعضاء الجمهوريين من زيادة الضرائب ورغبتهم في زيادة أكبر لتخفيضات الإنفاق الا انه يبدو أنهم ادركوا ان الهاوية المالية ستضر بالاقتصاد.

وأظهرت استطلاعات الرأي أن المواطنين سيلقون باللوم على الجمهوريين في حال انهيار الاتفاق. وسترتفع الآن الضرائب على الاسر التي يزيد دخلها على 450 ألف دولار سنويا وستتقلص الخصومات التي تتمتع بها لخفض الضرائب المستحقة عليها. أما التخفيضات السارية خلال العقد الماضي فستصــبح دائمة بالـــنسبة لدافعي الضرائب الاقل ثراء إلى جانب إعفاءات ضريبية لأغراض محددة طبقت لمواجهة الأزمة في 2009.

وفي تحذير لخصومه الجمهوريين الذين قد يسعون إلى تعويض خسائرهم بعدما اضطروا الى القبول بزيادة الضرائب على الطبقات الميسورة، اكد اوباما انه سيرفض التفاوض معهم على شروط زيادة السقف القانوني للمديونية، وهو ما يتوجب القيام به في الربع الاول من العام 2013، مقابل زيادة سقف الديون الحكومية.

وايد قسم من الجمهوريين القانون على الرغم من رفضهم المبدئي لاي زيادة ضريبية، لان البديل كان سيؤدي الى ما يعرف بالهاوية المالية او زيادة الضرائب على مجمل المكلفين الاميركيين تقريبا واقتطاعات كبيرة في نفقات الحكومة الفدرالية وخصوصا من ميزانية الدفاع.

آمال جديدة

وقطع اوباما إجازته في ارخبيل هاواي في المحيط الهادئ غداة عيد الميلاد لادارة هذه الازمة التاسعة مع الجمهوريين في الكونغرس. وقبل مغادرته البيت الابيض للعودة واكمال اجازته مع عائلته، قال اوباما: ما آمله خلال السنة الجديدة هو أن نركز على ان نرى مدى قدرتنا على التوصل معا الى رزمة مماثلة لهذه ولكن من دون كل هذه المبالغة ومن دون الوصول الى الهاوية، والا نخيف الناس بهذا القدر.

وكانت هناك مخاوف من أن يطالب جمهوريو الكونغرس بإدخال تعديل على مشروع القانون لتنفيذ بعض التخفيضات في الإنفاق على الفور، الأمر الذي كان سيستدعي إعادة مشروع القانون مرة أخرى إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه مجددا، لكن مجلس النواب صوت على نص مشروع القانون كما تمت كتابته دون تعديلات.

 

 

 

«حازوقة» الدين الحكومي تطارد أوباما

 

 

 

 

 

يتعين على أميركا، التي يصل إجمالي الدين الحكومي لها إلى قرابة 16.4 تريليون دولار مكافحة شر أكبر من "الهاوية المالية" وذلك فيما يتعلق باستدامتها المالية طويلة الأجل. ويجعل الدين الحكومي الذي يتجاوز 100 % من إجمالي ناتجها المحلي، أزمة الديون السيادية البغيضة التي أطاحت بعدة حكومات أوروبية وقادت إلى مظاهرات عارمة في اليونان تبدو كما لو كانت مجرد حازوقة تطارد الرئيس الأميركي باراك اوباما وإدارته.

وباعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم، فالولايات المتحدة ليست اليونان. وما زالت العملة الخضراء هي العملة المهيمنة في النظام النقدي العالمي.

وبالنسبة للأميركيين، فقد أصبحت حكومتهم مدينة منذ فترة طويلة. ومنذ عام 2002، لم تذق الولايات المتحدة طعم أي فائض حكومي بسبب اقتراضه بشدة لدعم الحروب المكلفة في الشرق الأوسط ولتحفيز الاقتصاد وإخراجه من حالة ركود في أعقاب الأزمة المالية العالمية. ومع تجاوز الولايات المتحدة على نحو مؤقت "الهاوية المالية"، تتاح أمام كل من البلاد والعالم الآن فرصة نادرة لمناقشة القضية المتعلقة بالاستدامة المالية طويلة الأجل للولايات المتحدة.

وإذا كانت أكثر من 600 مليار دولار من زيادة الضرائب وخفض الإنفاق تسمى "هاوية مالية"، فإن اجمالي الدين الحكومي الأميركي لن يخلق سوى جحيم مالي.

وتكمن القضية الأكثر إثارة لقلق السياسة الأمريكيين في أنهم بعيدون عن التوصل إلى اتفاق لمساعدة بلادهم على تجاوز السقوط في أزمة جديدة.