أبرمت الولايات المتحدة الأميركية اتفاقا حول الميزانية بعد جهود ماراثونية في اللحظة الاخيرة حول الميزانية مما جنبها الدخول في مرحلة انكماش جديدة. ووافق الكونغرس الأميركي بأغلبية ساحقة على حل وسط من أجل تفادي التأثير الأسوأ لما يطلق عليه "الهاوية المالية" وذلك بعد نحو ساعتين من انتهاء مهلة نهائية منتصف الليلة قبل الماضية إذ كان من المقرر عندها البدء تلقائيا في رفع الضرائب وخفض الإنفاق. وقال الرئيس الاميركي باراك أوباما إن الكونغرس وافق بتأييد 89 عضوا واعتراض 8 على خطة تحمي 98% من الأميركيين و97% من أصحاب الأعمال الصغيرة من رفع الضريبة على الطبقة المتوسطة. ويتضمن الاتفاق حلا وسطا بشأن مستويات الضرائب من أجل إلغاء الإعفاءات الضريبية وتأجيل خفض الإنفاق. وتضخم دين الولايات المتحدة إلى 16 تريليون دولار بسبب عدد من العوامل خلال العقد الماضي بما فيها الإعفاءات الضريبية في عهد بوش والحرب في العراق وأفغانستان والركود والأزمة المالية والأزمة في قطاع الإسكان.

خفض العجز

وقال أوباما: هناك الكثير من العمل يتعين القيام به من أجل خفض العجز وسنستمر في خفض العجز من خلال مزيج من تخفيضات جديدة للإنفاق وإيرادات جديدة من الأميركيين الأكثر ثراء. ووفقا لتقارير إعلامية، سيتم إلغاء الإعفاءات الضريبية التي أقرت في عهد الرئيس السابق جورج بوش لمن يزيد دخله على 400 ألف دولار سنويا للأفراد و450 ألف دولار سنويا للأسر. وأضاف أوباما أنه لم يحصل الديمقراطيون ولا الجمهوريون على كل شيء كانوا يرغبون فيه، الا ان الاتفاق هو الأمر السليم. وسعى الجمهوريون إلى الإبقاء على سريان جميع الإعفاءات الضريبية حتى بالنسبة للأشخاص الأكثر ثراء، فيما ضغط الديمقراطيون من أجل زيادة الضرائب لكل شخص يزيد دخله على 200 و250 ألف دولار.

اعانات البطالة

ويمدد الاتفاق أيضا إعانات البطالة لمليوني عاطل على المدى الطويل، وأيضا زيادة الضريبة العقارية. ويتألف الجزء الآخر من "الهاوية المالية" من تخفيضات على جميع أوجه الإنفاق العام من البرامج الاجتماعية، وحتى الدفاع بنسبة تبلغ 10% كان من المقرر البدء في تطبيقها في الأول من يناير الجاري. لكن الاتفاق أرجأ موعد التنفيذ لمدة شهرين، حسبما ذكرت تقارير إعلامية.

حملة واسعة

ويشن الديمقراطيون حملة من أجل جعل تلك التخفيضات أكثر توازنا من أجل التخفيف من تأثيرها المعوق على الاقتصاد. وكانت زيادة الضرائب وخفض الإنفاق شكلت تهديدا على أكبر اقتصاد في العالم بأن يتلقى ضربة مجمعة موجعة بقيمة 600 مليار دولار وقد تؤدي به للعودة للركود. وبفضل أن اليوم الأول من العام كان عطلة عامة، قلل ذلك من تأثير فشل الكونغرس في التوصل لاتفاق بحلول المهلة النهائية.

الجميع خاسر

ورغم توصل إدارة أوباما وأعضاء الكونغرس إلى الاتفاق فإن الموقف ككل لا يبشر بخير كثير مع بدء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس أوباما ويظهر الجميع في خانة الخسارة. فالاتفاق الذي تم التوصل إليه في الدقائق الأخيرة من العام الماضي لم يمنع دخول الولايات المتحدة رسميا ما يعرف باسم "حافة الهاوية المالية" ورغم ذلك فمازال أمام الكونغرس فترة سماح لعدة أيام يستطيع فيها التحرك قبل ظهور التداعيات الخطيرة لحزمة إجراءات حافة الهاوية المالية والتي يؤكد خبراء الاقتصاد أن تطبيقها يعني إعادة الأميركي إلى دائرة الركود مجددا.

أزمة سياسية

ورغم اتفاق أغلب الأطراف على أنه سيتم تفادي "حافة الهاوية المالية" فإنهم يؤكدون أيضا على الخسائر السياسية الناجمة عن فشل الإدارة الأميركية والكونغرس في التوصل إلى اتفاق لإنقاذ الاقتصاد الأميركي من تداعيات الأزمة المالية على مدى الشهور الماضية. فقد فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق قبل منتصف ليل أول من أمس رغم أن هذا الموعد محدد منذ أكثر من عام. في الوقت نفسه ما تم التوصل إليه في الدقائق الأخيرة من العام الماضي لا يعد اتفاقا دائما وإنما "حل وسط" مما يعني أن جولة جديدة من الصراع بين الإدارة والكونجرس ستبدأ قريبا.

سيناريو مشابه

وكانت الأيام الماضية تكرارا لسيناريو مشابه عاشته الولايات المتحدة منذ 18 شهرا عندما كانت الخزانة العامة على وشك الإفلاس بسبب رفض الكونغرس زيادة سقف الدين العام الأميركي بما يتيح استمرار اقتراض الحكومة لتمويل عجز الميزانية. وعلى مدى 500 يوم منذ موافقة الكونغرس على زيادة سقف الدين العام فشلت الإدارة الأميركية والسلطة التشريعية في التوصل إلى حل "متوازن" على حد وصف أوباما يضمن الحد من عجز الميزانية ومعدل الدين العام وفي الوقت نفسه يحمي الاقتصاد المتعثر من تداعيات الإجراءات التقشفية الممثلة في زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام.

إساءة التصرف

والآن مرة ثانية تبدو واشنطن كما لو كانت ستتفادى بالكاد كارثة اقتصادية وللمرة الثانية فإنه يتم ذلك من خلال المراوغة وتجنب التعامل مع المشكلة الضخمة لخفض الإنفاق. وقال جو مانشين عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي : لا عذر لنا إطلاقا بعد أن وجدنا أنفسنا في هذا الموقف وفي هذا التوقيت. ومن ناحيته قال علي فيلشي المحلل الاقتصادي في شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية إن الكونغرس أساء التصرف في التعامل مع هذه الأزمة بعد أن انخفضت شعبيته بالفعل إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق. وعلق أحد المشاهدين من خلال موقع التدوينات الصغيرة "تويتر" بالقول: لو تصرفت بهذه الصورة في عملي كنت سأفصل على الفور. وبالفعل فسوف يلقى اللوم في عدم التوصل إلى اتفاق على الجمهوريين الذين يسيطرون على أغلبية مقاعد مجلس النواب لأنهم أصروا على ضرورة استمرار الإعفاءات الضريبية التي يتمتع بها الأغنياء مع خفض مخصصات الخدمات الاجتماعية للمسنين والفقراء.

التخفيضات الضريبية

وفي المقابل فإن أوباما الذي يصر على ضرورة إلغاء التخفيضات الضريبية التي يتمتع بها الأغنياء يرى أن فوزه بفترة رئاسة ثانية في الانتخابات التي أجريت في نوفمبر الماضي دليل على التأييد الشعبي لموقفه. ولكن الرئيس الأميركي اضطر إلى تقديم تنازلات خلال الأسابيع الماضية أمام الجمهوريين الذين يسيطرون على مجلس النواب وهو ما يشير إلى أن فترة رئاسة أوباما الثانية لن تكون سهلة.