حبست الأسواق أنفاسها مع بدء العد العكسي في واشنطن للتوصل الى اتفاق لتفادي "الهاوية المالية" بدون ان يسجل اي تقدم في نهاية الاسبوع يجنب الولايات المتحدة تطبيق خطة تقشف صارمة اعتبارا من منتصف ليل الإثنين/ الثلاثاء بتوقيت نيويورك، الخامسة فجرا بتوقيت غرينيتش، أو التاسعة صباح اليوم بتوقيت الإمارات.
وفي غياب اتفاق في الكونغرس وهو أمر مستبعد خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، سيبدأ بشكل آلي عند منتصف الليل (في واشنطن) تطبيق زيادة الضرائب على معظم دافعي الضرائب وفرض اقتطاعات واضحة في نفقات الدولة الفدرالية. وفضلاً عن الزيادات الضريبية هناك تخفيضات إنفاق بقيمة 600 مليار دولار ستدخل حيز التنفيذ من أول يناير ويمكن أن تتسبب في ركود للاقتصاد العالمي.
وأغلقت الأسهم الأوروبية على تباين في ختام جلسة تداول مختصرة هي الأخيرة لعام 2012 حيث أبدى المستثمرون عزوفا عن المخاطرة مع اقتراب الولايات المتحدة من "الهاوية المالية" وبعد مكاسب قوية على مدار العام.
وارتفع مؤشر يوروفرست 300 لأسهم الشركات الأوروبية الكبرى 1.21 نقطة ليغلق عند 1131.77 نقطة في حين تقدم مؤشر يورو ستوكس 50 للأسهم القيادية بمنطقة اليورو 6.59 نقاط إلى 2633.44 نقطة.
وانخفضت أحجام التداول بشدة مع فتح عدد من البورصات الأوروبية مثل الفرنسية والهولندية والاسبانية والبريطانية لنصف جلسة فقط أمس وإغلاق بورصات ألمانيا وايطاليا والنمسا والدنمارك والنرويج والسويد وسويسرا. وقال إسحاق صديقي محلل السوق لدى إي.تي.اكس كابيتال "الأحجام هزيلة جدا وسنرى انسحابا لكثير من الأموال ومن المرجح أن يجني المستثمرون أرباحا من أسهم مرتبطة بالدورة الاقتصادية".
مخاوف الهاوية
وأضاف أن الإخفاق في تفادي "الهاوية المالية" قد يدفع مؤشر فايننشال تايمز في الجلسات المقبلة إلى المستوى المنخفض 5800 نقطة الذي سجله في نوفمبر.
كما أغلقت أسواق الاسهم والعملات اليابانية أمس وتستمر مغلقة حتى يوم الخميس المقبل في عطلة مع بداية السنة الجديدة على ان تستأنف نشاطها المعتاد يوم الجمعة.
ونتيجة العجز عن الاتفاق منذ اسابيع حول الإيرادات والنفقات، اجتمع مجلسا الشيوخ الذي يهيمن عليه حلفاء الرئيس باراك اوباما والنواب ويسيطر عليه الجمهوريون، في آخر يوم من السنة للمرة الاولى منذ اكثر من أربعين سنة.
وفي نهاية الاسبوع تواصلت المشاورات بين زعيمي الكتلتين في مجلس الشيوخ الديمقراطي هاري ريد والجمهوري ميتش ماكونيل المكلفين التوصل الى اتفاق مقبول ليس فقط في مجلس الشيوخ بل في مجلس النواب. ويعتبر أوباما ان الناخبين من خلال اعادة انتخابه مطلع نوفمبر لولاية ثانية من اربع سنوات، أعطوا الضوء الأخضر لزيادة الضغط الضريبي على الأكثر ثراء الموضوع الاساسي في حملته.
زيادة الضرائب
ويريد أوباما زيادة الضرائب على الأسر التي يفوق دخلها السنوي 250 الف دولار، في حين يرفض الجمهوريون اي زيادة على الضرائب، ويطالبون خصوصا بتقليص النفقات لتخفيض العجز.
وقال ريد من منصة مجلس الشيوخ مساء أمس الأول ان "ثمة هوة كبيرة بين الطرفين، إلا ان المفاوضات مستمرة. ما زال لدينا وقت للتوصل الى حل ولدينا النية لمواصلة التفاوض". وإذا توصل ريد وماكونيل الى اتفاق يتعين على المجلسين المصادقة عليه قبل موافقة اوباما عليه، لكن هذه المسألة لا تزال فرضية.
وأمس الأول اشار ماكونيل الى الطريق المسدود الذي وصلت اليه المفاوضات، وقال انه اتصل بنائب الرئيس جو بايدن الذي يقيم معه علاقات جيدة للخروج من المأزق.
ولزم البيت الابيض الصمت أمس الأول حول المفاوضات بعد ان صب أوباما الزيت على النار متهما خصومه بأنهم مسؤولون عن الأزمة، ما أثار غضب رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر.
ومن العوامل التي تلعب دورا أساسيا في المعضلة الراهنة التخفيضات الضريبية الموروثة من عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن.
لا مصلحة
مع ذلك، لا يبدو ان أيا من الطرفين له مصلحة فعلية في نجاح المفاوضات الجارية لحل هذه الازمة الجديدة التي تضاف الى ازمات كثيرة سبقتها منذ سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب قبل عامين.
ففي حال الفشل، سيحقق أوباما مطلبه بزيادة مساهمات الطبقات الميسورة. كما أنه لن يبقى للجمهوريين سوى التصويت بعد الأول من يناير على تخفيضات ضريبية جديدة على الطبقة الوسطى من دون النكث بوعودهم بعدم زيادة الضرائب.
وصعوبة الموقف تكمن في عدم زعزعة استقرار الأسواق التي تأثرت في الايام الماضية نتيجة ازمة واشنطن واحتمال عودة الانكماش الى الاقتصاد الأميركي في حال لم يتم التوصل الى حل سريعا.
وستعيد فتح بورصة نيويورك أبوابها صباح غد الأربعاء.
الهاوية..إجراءات تقشفية إلزامية تعيد أميركا الى الانكماش
"الهاوية المالية" التي ستقع فيها الولايات المتحدة ما لم يتم التوصل الى اتفاق في اللحظة الأخيرة، هي مزيج من الإجراءات الآلية لزيادة الضرائب وخفض النفقات والتي يخشى ان تعيد أول اقتصاد في العالم الى الانكماش.
وهذه الإجراءات التي تثير قلق الأسواق وأجبرت اعضاء الكونغرس على الاجتماع يوم رأس السنة للمرة الاولى منذ اكثر من أربعين عاماً، نجمت عن اتفاق أبرمه المشرعون في 2011.
وبموجب هذا الاتفاق حدد الديمقراطيون والجمهوريون مهلة تنتهي في نهاية 2012 للتفاهم على خطة لخفض العجز وإلا ستفرض إجراءات قاسية على البلاد تسمح باقتطاع اكثر من 600 مليار دولار في النفقات الفدرالية.
وتتزامن هذه الإجراءات مع انتهاء مدة الهبات الضريبية الموروثة من عهد جورج بوش، اي زيادة في الضرائب تبلغ ألفي دولار سنويا لكل منزل في المعدل.ويرى الاقتصاديون المستقلون في مكتب الميزانية في الكونغرس ان هذا العلاج القاسي سيؤدي الى تراجع اجمالي الناتج الداخلي 0,5 % في 2013 مع ارتفاع البطالة (9,1 % مقابل 7,7 %).
وستظهر آثار هذه "الهاوية المالية" تدريجيا ويرى البعض أنه لا يمكن التراجع عنها وان كانت نسبة 2 % في اقتطاعات المساعدات المالية ستنعكس على الأجور اعتبارا من يناير. كما يمكن ان يطبق بسرعة إلغاء المساعدات الممنوحة لحوالي مليوني عاطل عن العمل.
في المقابل وعلى الصعيد النفسي، يمكن ان يكون للشكوك في مرحلة ما بعد "الهاوية المالية" آثار كبيرة بينما تلوح في الأفق معركة سقف الدين في الكونغرس، مثل تلك التي جرت صيف 2011 وكلفت الولايات المتحدة تصنيف دينها السيادي الممتاز في وكالة ستاندارند اند بورز.
وخوفا من زيادة الضرائب على رأس المال او خسارة في الدخل، قد سعى المستثمرون الى بيع أسهمهم بكميات كبيرة، ما يمكن ان يزعزع استقرار بورصة نيويورك.
وتحسبا لاقتطاعات عامة، يمكن للشركات المتعاقدة مع الحكومة وخصوصا في قطاع صناعة الدفاع إبطاء استثماراتها والتوظيف.
القلق يدعم الدولار
تراجع اليورو مقابل الدولار أمس مع بحث المستثمرين عن ملاذ آمن في العملة الأميركية وسط قلق متنام من أن المشرعين الأميركيين قد لا يتوصلون إلى اتفاق بشأن الميزانية في محادثات اللحظات الأخيرة. وتراجع اليورو 0.2 % إلى 1.3187 دولار وتراجع اليورو 0.1 % إلى 113.50 يناً لينزل عن أعلى مستوى في 17 شهرا 114.675 يناً الذي سجله يوم الجمعة. ورغم التراجع فإن اليورو مازال مرتفعا نحو 14 % مقابل الين في 2012 ليتجه إلى أكبر مكسب سنوي له بالنسبة المئوية منذ إطلاق اليورو في 1999.
واستقر الدولار دون تغير يذكر عند 86.06 يناً ليظل دون أعلى مستوى لمعاملات الجمعة 86.64 يناً وهو أقوى سعر للدولار مقابل العملة اليابانية منذ أغسطس 2010. والدولار مرتفع حاليا بنحو 11.9 % أمام الين في 2012.
واستقر الين فوق أدنى مستوى في عامين مقابل الدولار لكن ظل بصدد أكبر انخفاض سنوي له في سبع سنوات متأثرا بتوقعات لمزيد من التيسير النقدي من جانب بنك اليابان المركزي.لندن رويترز
