أكد راغو مانداغولاثر، المحلل المالي المعتمد لدى CFA، ونائب أول رئيس المركز المالي الكويتي ورئيس قسم الأبحاث بالمركز: أن عائدات النفط وبالتالي أسعاره لا تزال تشكل القوة الدافعة لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، رغم محاولات تنويع مواردها الاقتصادية. ويواصل إجمالي الناتج المحلي الهيدروكربوني لدول الخليج الهيمنة على مواردها الاقتصادية، ما أدى بالتالي إلى انعكاس فترات ارتفاع أسعار النفط ومعدلات النمو الاقتصادي إيجاباً على أسواق الأسهم عبر ازدياد السيولة والعائدات البترودولارية. إلا أنه يبدو أن هذه العلاقة الترابطية بدأت تنهار.
حيث لم تعد أسعار النفط تؤثر في أداء أسواق الأسهم. إذ أن نسبة معامل الارتباط بين مؤشر أسعار النفط ومؤشر ستاندرد آند بورز (إس آند بيه) لأسهم دول مجلس التعاون الخليجي، بلغت 12% منذ عام 2005 وحتى تاريخه، وهو رقم منخفض جداً بالفعل. ونجد بالتالي أنه بينما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 19% منذ عام 2008، انخفض مؤشر (إس آند بيه) لأسهم دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 46%. فلماذا هذا التباعد في العلاقة الترابطية بين المؤشرين، وهل من المرجح أن تعود؟
وقال في تقرير لجمعية المحللين الماليين المعتمدين بالإمارات: لطالما كانت البنوك القناة الوحيدة لدخول البترودولارات إلى أسواق الأسهم. وتصل العائدات النفطية إلى جيوب المواطنين عبر الرواتب والعلاوات الاجتماعية، التي يتم إيداعها في البنوك ثم يتم إقراضها. ويتم استثمار ما يقارب 10% من محافظ القروض في أسواق الأسهم. وشهدت القروض المصرفية نمواً محموماً بلغت نسبته السنوية 33% في الماضي (خاصة بين عامي 2005 و2008)، لكن تلك النسبة انخفضت بقوة إلى 5% خلال الفترة اللاحقة.
وتباطأت معدلات نمو القروض المصرفية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية وذلك نتيجة انتهاج بنوك دول مجلس التعاون الخليجي لسياسات أكثر حذراً وحرصها بشكل أكبر على تفادي المخاطر أمام الشركات والأفراد المغرِقَين في الاقتراض. وهكذا عزفت البنوك عن منح القروض وعكفت على تعزيز رؤوس أموالها واحتياطياتها لتغطية الديون المتعثِّرة والمحافظة على خطوط الائتمان المتواجدة. من ناحية أخرى، راح العديد من المستثمرين الأفراد يخفضون من مستويات مديونياتهم، ما حرمهم من القدرة على تمويل أنشطتهم في أسواق الأسهم.
ارتفاع الإنفاق الحكومي
وتستثمر حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أموالاً طائلة في مشاريع البنى التحتية والتنمية الاجتماعية، مدفوعة بارتفاع أسعار وعائدات النفط والحاجة إلى تطوير البنى التحتية بما يواكب ارتفاع أعداد السكان. ويولِّد هذا التحرك تزاحماً إلى حد ما في قطاع خاص ضعيف والممثَّل إلى حد كبير في أسواق الأسهم. ويؤدي غياب الكثير من الشركات العائلية عن أسواق الأسهم رغم استفادتها المباشرة من هذا الإنفاق الحكومي، إلى الافتقار إلى آلية تحويل بين أسعار النفط وأداء أسواق الأسهم.
عامل الخوف
وتركت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 جراحاً غائرة في نفوس الكثير من الشركات وأصحاب الثروات الكبيرة والمستثمرين الأفراد. وتكبَّدَ الكثير من المستثمرين الإقليميين الذين وظفوا أموالاً كبيرة في الأسواق الخارجية خسائر فادحة بسبب تلك الأزمة، ما دفع بهم للسعي إلى تفادي المخاطر وانتشار الخوف في أوساطهم من المجازفة.
وفي الماضي، كانت سلاسة الآلية التبادلية بين العائدات النفطية وأسواق الأسهم، قد أشاعت شعوراً عاماً بالرضا عن واقع الحال (FGF)، ما شجع المستثمرين على تحمل المخاطر والشعور بالثقة بالمستقبل. لكن عامل الخوف السائد حالياً في الأسواق يولِّد مشاعر مختلفة تماماً تزيل العلاقة التبادلية بين أسعار النفط وأسواق الأسهم. كما فاقمت التطورات السياسية التي أفرزها الربيع العربي من تأثير عامل الخوف هذا.
الارتباط بالدولار
تربط معظم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أسعار صرف عملاتها بالدولار الأميركي، ما يعكس بالضرورة السياسات النقدية للولايات المتحدة الأميركية، رغم عدم تشابه الأوضاع الاقتصادية للجانبين بشكل يكفي لكي يعمل هذا الربط بشكل منطقي. ويؤدي هذا الوضع إلى حدوث احتكاك غير مطلوب يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتداعيات جانبية أخرى.
ويمكننا القول على سبيل المثال، إنه رغم معدلات النمو الجيدة التي تحققها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بفضل ارتفاع أسعار النفط، إلا أنها تجد نفسها مضطرة إلى انتهاج سياسات نقدية متراخية تماشياً مع الاقتصاد الأميركي.
لكن هذا الوضع لم يؤد إلى ارتفاع معدلات الاقتراض بسبب انتهاج المقرضين والمقترضين على حد سواء لسياسات تفادي المخاطر، رغم أن أسعار الفائدة المنخفضة السائدة حالياً تشجع على المزيد من الاقتراض في الأحوال العادية سعياً وراء تحقيق أرباح أكثر في أسواق الأسهم.
وأصبحت أسواق دول مجلس التعاون الخليجي اليوم أكثر ترابطاً مع العالم الخارجي من أي وقت مضى، وذلك بفضل نمو تجارتها الخارجية. هذا يعني أن الأحداث خارج المنطقة سيكون لها تأثير متزايد على الاقتصاد المحلي. ويفاقم عدم نمو التجارة البينية بين هذه الدول من تلك التأثيرات.
أهمية العلاقة الترابطية
قال راغو مانداغولاثر تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على النفط وستظل تعتمد عليه في المستقبل المنظور. ليس بالضرورة أن يترجم التقدم الاقتصادي على الفور إلى ثروات سوق الأسهم كما رأينا ذلك مع العديد من الدول بما فيها الصين. ومع ذلك، فإنه يجب في نهاية المطاف أن تلحق الأسواق المالية بعجلة التقدم الاقتصادي وتعكسه خاصة في دول تمتاز بسيطرة منتج واحد مثل دول مجلس التعاون الخليجي. ومن ثم، عاجلاً أم آجلاً، فإن الثراء البترولي سوف يتردد صداه في أسواق مالية مزدهرة وبمساعدة التعديلات الرقابية ومشاركة المؤسسات وقوة القطاع المصرفي.
كذلك كون ارتفاع وثبات أسعار النفط مدفوعاً بقوة الطلب العالمي مما يشير إلى ازدهار الاقتصاد العالمي، قد يعزز من عودة الثقة للمستثمرين. إلا أن ارتفاع أسعار النفط مدفوعاً بمخاوف من قلة أو انقطاع العرض قد يؤدي إلى عرقلة الثقة. ومع أن استمرار تأزم البنوك قد يؤخر آلية التحويل في الوقت الحالي إلا أن العلاقة الترابطية سوف تعود على الأقل على المدى المتوسط إن لم يكن على المدى القصير. يعد هذا أمراً جيداً ومفيداً للنمو الاقتصادي في المنطقة.