أظهر تقرير حديث صادر عن صحيفة "وول ستريت جورنال" أن نصف الشركات الكبيرة للتداول العام في الولايات المتحدة البالغ عددها 40 شركة أعلنت عن خططها لخفض النفقات الرأسمالية في العام 2013، ما يؤدي إلى تراجع حجم الاستثمارات إلى أدنى مستوياتها منذ الركود في عام 2008.
ويعتقد بشكل عام أن السبب الأساسي لا يعود فقط إلى المخاوف من المنحدر المالي وعدم وضوح الرؤية حيال اتجاهات الإنفاق المالي الأميركي وإنما إلى ضعف الطلب العالمي أيضاُ إذ انخفضت الصادرات إلى أوروبا وآسيا وسط تراجع النمو في هذه المناطق. ويؤكد الاقتصاديون أن هذا التطور سيكون له تأثير سلبي واضح على الأوضاع الاقتصادية الحالية.
لهجة توافقية
ووفقاً لتقرير صادر عن اتش اس بي سي فقد اعتبرت الأسواق اللهجة التوافقية التصالحية التي اتسمت بها تصريحات القادة السياسيين في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي مؤشراً على إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الجارية حول ما يوصف بــ"المنحدر المالي".
وسواء ترجمت هذه اللهجة إلى أن الحكومة توشك على إيجاد حل سريع للمأزق الراهن، من المستبعد أن تكون هناك مؤشرات محددة تنبئ بإمكانية إحراز مزيد من التقدم في الأيام القليلة القادمة في ظل عطلة الكونجرس بمناسبة عيد الشكر وسفر الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) إلى الخارج؛ إذ يتوقع أن يلتقي الرئيس الأمريكي عقب عودته من الخارج بقادة الكونجرس في الأسبوع الذي يعقب عطلة عيد الشكر.
ومع ذلك، عقب العزوف الأخير في الإقبال على الأصول مرتفعة المخاطر كان لمؤشر النتيجة شبه المطمئنة للمفاوضات المالية تأثيره على اتجاهات الأسواق؛ إذ عزز من بعض المكاسب التصحيحية في الأسهم وتسبب كذلك بتراجع نسبي في المكاسب الأخيرة التي سجلها الدولار.
ملف اليونان
وفي أوروبا، ظل ملف اليونان هو المتحكم الرئيسي في توجيه المعنويات. وارتفع اليورو إلى أعلى مستوياته، ولكنه كان ارتفاعاَ مؤقتاً؛ إذ تأثر الطلب على العملة الموحدة بما يدور بين اليونان والجهات الدائنة (الترويكا) حول ملف اليونان، والتي فشلت في التوصل إلى اتفاق حول إعادة العمل بالتدابير التي تهدف إلى ضبط أوضاع المالية العامة والاستقرار المالي والسماح بإعطاء اليونان الدفعة التالية من أموال الإنقاذ، التي كان من المفترض الإفراج عنها في الربع الثاني. وتتركز الأنظار حالياً على المفاوضات المقرر استئنافها يوم الاثنين المقبل (عقب تعليق أعمال القمة الأوروبية)؛ إذ يتوقع أن يتم الاتفاق على بعض التفاصيل.
ومن جهته أكد (فولفجانج شويبله) وزير المالية الألماني في تصريحات مشجعة أن اليونان استوفت شروط الترويكا، وأن هناك اتفاقا على آلية صرف المساعدات لليونان، وأن الحكومة الألمانية توافق على توسيع برنامج صندوق الإنقاذ المالي وتقديم شريحة جديدة من المساعدات لليونان.
ولكن لم تتأثر تعاملات اليورو مقابل الدولار كثيراً بتصريحات (شويبله). وفي الواقع استطاعت العملة أن تعوض الخسائر المفاجئة التي منيت بها في وقت سابق والتي بلغت 80 نقطة، ما يدل على أن الأسواق ما زالت توقن أن اليونان ستحصل على المساعدات التي تحتاجها، بطريقة أو بأخرى.
أزمة بريطانيا
وفي بريطانيا، توشك المملكة المتحدة أن تفقد تصنيفها الإئتماني المميز عند AAA. وفي ظل تراجع النمو إلى أكثر مما كان متوقعاً، يستمر العجز الضخم في الميزانية ما يقلل من احتمالات قدرة الحكومة على احتواء العجز وتحقيق الاستقرار المالي في المدى المتوسط.
ويتوقع أن تحدد مجموعة جديدة من التوقعات المالية الرسمية وتعقيب وزير الخزانة عليها في 5 ديسمبر المقبل ما إذا كان الاقتصاد البريطاني سيحتفظ بتصنيفه الائتماني عند AAA لدى المؤسسات الدولية الثلاث للتصنيف الائتماني. وعلى صعيد العملة، يتوقع أن يكون الجنيه الإسترليني عرضة للانخفاض، ومن المؤكد أن تكون ردة فعل الأسواق حيال ذلك سلبية.
وجدير بالذكر أن العملات مفهوم نسبي، ما يدل على أن حركة الإسترليني تعتمد على الأحداث والأوضاع الخارجية وتتأثر بها، مثل كيفية إيجاد حل لتجنب ما يعرف بالمنحدر المالي أو ما يحدث في منطقة اليورو.
والنتيجة المحتملة هي أن يتراجع الطلب على الجنيه الإسترليني عند تخفيض التصنيف الائتماني للبلاد، وبالفعل يتوقع أن يتراجع الجنيه الإسترليني إلى مستويات قياسية إذا ما تزامن تخفيض التصنيف الائتماني مع تراجع المخاوف حيال المنحدر المالي في الولايات المتحدة، وطلبت إسبانيا مساعدات من صندوق الإنقاذ الأوروبي، وشهدت منطقة اليورو بعض مظاهر الاستقرار.
آثار سلبية
وإلى ذلك، يرى كثير من الاقتصاديين أن تخفيض التصنيف الائتماني للاقتصاد البريطاني درجة واحدة في الوقت الحالي من الممكن أن يكون له آثار سلبية على الاقتصاد البريطاني، ولكن من المهم معرفة إلى أي مدى ستعتمد السلبية على المنحدر المالي الأمريكي وأزمة الديون المالية الأوروبية.
وعلى أية حال، إذا تم تخفيض التصنيف الائتماني للاقتصاد البريطاني درجة واحدة ستنزلق البلاد نحو إجراءات تقشف مماثلة لدوامة الديون اليونانية.
وإلى ذلك، يعد تجنب الدوامة السلبية أمراً بالغ الأهمية؛ إذ لا أحد يرغب بإجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق، وهو ما يمكن أن يعود بالاقتصاد إلى الكساد مرة أخرى ويهدد قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها المالية وبالتالي قيام مؤسسات التصنيف الائتماني بخفض التصنيف الائتماني للاقتصاد ما يستدعي الحاجة إلى خفض مستويات الإنفاق بصورة كبيرة.
اليابان والين
وفي اليابان، شهد الين الياباني جولة جديدة من الانخفاضات، ولكنه استأنف اتجاهه الصعودي الأخير مقابل الدولار الأمريكي ووصل إلى مستويات مرتفعة جديدة.
وفي الأسواق، ما زال المتعاملون في السوق يحققون مكاسب في المراكز المدينة بالين الياباني، وعاودت العملة موجة جديدة من الانخفاضات عقب تصريحات زعيم المعارضة في اليابان ورئيس الوزراء الأسبق (شينزو آبي) المرشح المتوقع لرئاسة الحكومة الذي صرح إنه إذا فاز الحزب الليبرالي الديمقراطي المعارض في الانتخابات التى ستجرى فى 16 ديسمبر المقبل فإنه سيسعى إلى تيسير السياسة النقدية بما يتجاوز نطاق تدابير مكافحة الانكماش المتخذة في هذا الشأن حين كنا في السلطة." (جدير بالذكر أن الحزب الليبرالي الديمقراطي شارك في السلطة منذ ثلاثة أعوام عقب خمسين عاماً من الحكم).
السياسة النقدية
وقد حافظ ذلك بصورة أساسية على منهاج (آبي) الذي سلكه على مدى الأسبوع الماضي، مؤكداً التزامه بتنفيذ سياسة نقدية متكيفة وأكثر جرأة وشجاعة من السياسة الحالية التي ينتهجها بنك اليابان المركزي.
وفي ظل استطلاعات الرأي العام التي تشير إلى أن الحزب الليبرالي الديمقراطي المعارض من المرجح أن يحل محل الحزب الديمقراطي الحاكم، تترقب الأسواق على نطاق واسع توقعات بتغييرات جوهرية في أنشطة بنك اليابان المركزي، والتي ربما تشمل رفع معدل التضخم المستهدف الذي يبلغ حالياً 1٪ إلى 2% أو 3%، وزيادة حجم ونطاق برنامج شراء الأصول الذي يعتمده البنك (مثل زيادة مشتريات البنك من الأوراق المالية بصورة عامة وربما تشمل أنواعاً أخرى من سندات الدين أو السندات بالعملة الأجنبية) واتخاذ تدابير إضافية؛ من أجل إضعاف الين الياباني على وجه الخصوص.
انكماش آخر
أظهرت بيانات التجارة اليابانية التي صدرت في وقت سابق انكماشاً آخر في قطاع الصادرات، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 6.5 % على أساس سنوي في أكتوبر عقب تراجعها بشكل كبير جداً إلى 10.3% في سبتمبر. ويعد هذا الانخفاض خامس انخفاض شهري للصادرات على التوالي وعاشر انخفاض لها خلال 13 شهراً. صحيح أن النزاع مع الصين أثر بشكل واضح على صادرات البلاد، ولكن ضعف الطلب العالمي كان له دور أيضاً، وهذا يعني أن الصادرات لم تتأثر بمسألة الصين فقط.
