خلال الأربعين عاماً الماضية تراجع العالم عن ثقافة المخاطرة والاستكشاف إلى ثقافة الأمان. ولقد قضينا قرناً من الزمان قام على التقدم السريع في التقنيات، لكننا استبدلناه بالحذر ولم نرض بالتحسينات السريعة في هذا المجال. لا تزال آثار أزمة عام 2008 قائمة لكن السبب الرئيس وراءها يعود إلى ثلاثة عقود مضت، إلى تراجع معدل التقدم التقني منذ السبعينيات. فإذا أردنا أن ننجو، ليس فقط من الأزمة الحالية، بل من كل فقاعات ما بعد السبعينيات، والإخفاقات وركود الأجور، فإن الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو تسريع الابتكار التقني.
ويمارس كثير من المستثمرين نوعا مزيفا من التفكير طويل المدى، ويرى مديرو الصناديق الاستثمارية أن عائدات القرن العشرين ستستمر في المستقبل البعيد جدا. حيث إن الذين سيتقاعدون مستقبلاً يعتمدون بالدرجة الأولى على نجاح الشركات في الماضي، لكن الثروة الكبيرة التي حققتها أسواق المال الحديثة جاءت من الانتصارات التقنية التي لا يمكن أن تتكرر.
فإذا لم يقدم أحد على المخاطرة بابتكار منتجات جديدة تؤدي إلى صناعات جديدة وأرباح جديدة فإن تحليل العائدات من القرن العشرين لن يكون طريقاً ليرشدنا في مستقبلنا أكثر مما هو جني المحاصيل في القرن العاشر. وبدون أي ابتكار فإن الإيمان بأسواق الأسهم يعتبر نوعاً من السذاجة. إن طفرة شركات الانترنت في التسعينيات كانت حالة واضحة على المستثمرين الذين يركبون أمواج الابتكار، لكن فقاعة المنازل ما بعد عام 2000 كانت نفس الشيء أيضا لأنه كان من المفترض أن ترتفع أسعار المنازل في عالم يدفع التقدم التقني فيه النمو. باختصار، إن التاريخ يكرر نفسه.
غير أننا قفزنا قفزة كبيرة في الخمسينيات والستينيات بفضل جيل من العلماء لم يؤمنوا فقط بمستقبل أفضل بل صنعوه بأنفسهم. لقد جعل هؤلاء العلماء الطيران النفاث شعبياً، وغذوا العالم النامي بحصاد الثورة الخضراء وبدأوا عمل أول مفاعلات نووية من أجل توليد الطاقة، وأطلقوا أول أقمار اصطناعية للاتصالات، وبنوا أول دائرة متكاملة، ووضعوا أسساً للابتكار لعقود طويلة في تقنية المعلومات. التقدم الحقيقي في تقنية المعلومات في السبعينيات وحتى ما بعد عام 2000 غطى على الركود النسبي في مجال الطاقة والنقل والفضاء والمواد الجديدة والزراعة والطب.
ومكنت تقنيات المعلومات من عملية العولمة وكفاءة الإدارة وأدت إلى تقدم اقتصادي دون رفع حقيقي في الأجور، لكنها أيضا أعطت شعورا زائفا بالتسارع في النمو التقني. ويتعين على الجيل المقبل من المبتكرين والقادة أن يعيدوا إشعال جذوة الابتكار الحقيقي وروح المغامرة والمخاطرة. الابتكار الحقيقي صعب وخطير، غير أن الحياة من دونه مستحيلة.