أكد خبراء في بنك التسويات الدولية أن القطاع المالي يسهم فعلا في النمو، لكنهم حذروا من أن إساءة استعماله تضر بشكل خطير بالاقتصاد الذي يحرم فجأة من أفضل أدمغته ومن أقوى الافكار في مجال الازدهار الاقتصادي. ولفتوا إلى أنه كلما كبر القطاع المالي كلما تباطأ نمو الاقتصاد. وأن المشكلة - كما أكدوا بعد دراسة التاريخ المالي الحديث - تكمن في أن القطاع المالي الذي أصيب بالتخمة أصبح أيضا ثقلا على بقية مرافق الاقتصاد.

وأوضح الخبراء الذين يتحدثون باسمهم على الرغم من أن تقريرهم نشره بنك التسويات الدولية، الذي يعتبر البنك المركزي للمصارف المركزية، إلا أن الاقتصادات المتقدمة تركت هذا القطاع المالي (مصارف وصناديق استثمار وغيرها) يكبر ليتخطى الحجم الذي يصبح بعده مضرا بالاقتصاد "الحقيقي" كما يسمونه.

ولفتوا على سبيل المثال إلى أن القطاع المالي يجذب افضل العلماء الاخصائيين بالفضاء على حساب صناعة الاقمار الصناعية نظرا للربح الوفير الذي يقدمه. والنتيجة هي أن اناسا كأن من الممكن أن يصبحوا علماء، وكانوا سيحلمون في حقبة أخرى بايجاد دواء للسرطان أو التوجه إلى كوكب المريخ، يحلمون اليوم بأن يصبحوا مديري صناديق مضاربات، كما جاء في التقرير.

أساس الاختلال

وانطلق خبيرا الاقتصاد في بنك التسويات الدولية ستيفن سيشيتي وأنيس خروبي من الفكرة العامة القائلة "إن القطاع المالي جيد للنمو"، لكنه اساس الاختلال المالي الكثيف الذي بدأ في ثمانينات القرن الماضي.

وخلص الخبيران إلى استنتاجين "مذهلين": أولهما "أن نمو القطاع المالي يدر على مستوى معقول مكاسب انتاجية". لكن "اعتبارا من نقطة معينة تجاوزتها الاقتصادات المتقدمة منذ وقت طويل، فإن مزيدا من المصارف والقروض مرتبطة بنمو أضعف".

الاستنتاج الثاني

وتوصل الخبيران إلى استنتاج ثان يقول "كلما كبر القطاع المالي كلما تباطأ النمو"، كما تمكنا من قياسه في اسبانيا أو ايرلندا. وبين العامين 2005 و2010 ارتفعت نسبة التوظيف في القطاعات المالية الاسبانية والايرلندية 1.4 % و4.1 % على التوالي فيما تراجعت انتاجية الفرد في الوقت نفسه بنسبة 1.4 % و2.7 %. وأوضح الخبيران: أن تقديراتنا تعني أنه إذا بقي التوظيف في القطاع المالي مستقرا في هذين البلدين، فإن هذا الانخفاض لكان أقل بـ1.4 نقطة مئوية في اسبانيا و0.6 نقطة في ايرلندا.

وخلص معدا التقرير إلى أن "العبرة الواجب استخلاصها هي أن القطاعات المالية الكبيرة وذات النمو القوي يمكن أن تضر كثيرا ببقية الاقتصاد".

كتلة القروض والناتج المحلي

 

 

يظهر تحليل خبراء بنك التسويات الدولية أنه عندما تتجاوز كتلة القروض اجمالي الناتج المحلي تصبح ثقلا على نمو الانتاجية. أو عندما يمتص القطاع المالي أكثر من 3.5 % من القوة العاملة الاجمالية في بلد ما، تؤثر أي زيادة إضافية سلبا على النمو الاقتصادي. حتى أنه تم حساب العتبة وحددت بـ3.9 %.

وفي الواقع تجاوزت بلدان عدة هذه العتبة ومنها كندا مع 5.5 % وسويسرا (5.1 %) وايرلندا (4.6 %) وبدرجة أقل الولايات المتحدة مع 4,2%. والاسوأ هو أن العتبة قد تبلغ في بعض الحالات 1.3 % وهي نسبة تخطاها 21 بلدا من البلدان التي شملتها دراسة الخبيرين (استراليا، النمسا، بلجيكا، بريطانيا، كندا، الدانمارك، فنلندا، فرنسا، المانيا، ايرلندا، ايطاليا، اليابان، هولندا، نيوزيلندا، النرويج، البرتغال، كوريا الجنوبية، اسبانيا، السويد، سويسرا والولايات المتحدة).

في إيرلندا على سبيل المثال بقيت عتبة التوظيف في القطاع المالي قريبة من 3.9 % بين العامين 1995 و1999. لكن بعد ذلك التاريخ تجاوزت 5%، مما يعني أنها لو بقيت على المستوى نفسه، لكان نمو انتاجية الفرد الموظف أكبر بنسبة 0.4 %.