أبرم قادة الاتحاد الأوروبي اتفاقا خلال قمتهم في بروكسل أمس بشأن إنشاء هيئة رقابة مصرفية لمنطقة اليورو بشكل تدريجي لكن من غير الواضح إذا ما كانت فرنسا أم ألمانيا قد فازت في موقف متأزم حول مطالب متعارضة. ويعد ذلك الإجراء شرطا مسبقا لتقوم آلية إنقاذ منطقة اليورو بمساعدة البنوك المتعثرة مباشرة، وينظر إليه باعتباره أمرا أساسيا لاستعادة الثقة في منطقة العملة الموحدة في خضم أزمة الديون التي تواجهها. وقرر القادة أن يتم الاتفاق على "إطار تشريعي" لهيئة الرقابة المصرفية بحلول نهاية العام، على أن يلي ذلك تنفيذ تدريجي في عام 2013.

ويعتبر التاريخ المحدد في 2013 مهمهاً حيث سيكون هو التوقيت الذي سيصبح فيه البنك المركزي الاوروبي فعليا هو المشرف على بنوك منطقة اليورو مهم لأنه سيفتح الطريق أمام آلية الاستقرار الاوروبية للانقاذ المالي لمنطقة اليورو لأن تتولى بشكل مباشر إعادة رسملة البنوك التي تعاني مشاكل دون تدخل من الحكومات. والمستفيدون الرئيسيون من إعادة الرسملة المباشرة للبنوك من المرجح ان يكونوا اسبانيا وربما ايرلندا. غير أن اسبانيا قد تدفع ثمن التأخير بعدما كانت تعول على البدء بتطبيقه بشكل سريع لتمكينها من إعادة رسملة مصارفها مباشرة.

صيغة وسط

ويحل هذا الاتفاق محل صيغة لمسودة إعلان القمة، التي دعت إلى استكمال المقترحات التشريعية بحلول 31 ديسمبر. ولم يتضح على الفور ما إذا كان الاتفاق سيظل يسمح للهيئة الرقابية بتولي عملها في أول يناير. وكانت ألمانيا وعدد محدود من الدول الأخرى قالت إن الجدول الزمني لتفعيل هذه الآلية غير واقعي وأنه سيخلق توقعات بلا أساس غير أن فرنسا تطالب باتفاق سريع بشأن هيئة الرقابة المصرفية.

خلافات محدودة

وكان الاوروبيون اتفقوا خلال قمتهم في يونيو التي حققت تقدما في محاولة الخروج من أزمة اليورو، على "درس" اقتراحات المفوضية الاوروبية بهذا الصدد بحلول نهاية 2012. وضغطت المفوضية وبعض الدول بينها فرنسا على الفور من أجل بدء العمل بآلية الرقابة المصرفية اعتبارا من مطلع 2013 غير أن المانيا سارعت إلى ابداء تحفظات معتبرة هذا الجدول الزمني غير واقعي. وبعد مفاوضات استمرت ساعات توصلت فرنسا والمانيا الى تسوية بهذا الشأن.

وقال رئيس الاتحاد الاوروبي هيرمان فان رومبوي: قررنا تحديد الجدول الزمني. وأضاف إن البنك المركزي الاوروبي تعهد بالعمل بأسرع ما يمكن من أجل تطبيق الآلية خلال العام 2013. وتمكنت برلين من فرض آلية التطبيق التدريجي وقالت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل: لطالما قلنا إن النوعية يجب أن تعطى الاولوية على السرعة. أما باريس فتمكنت من فرض تطبيق الرقابة على المصارف الستة الاف في منطقة اليورو وليس على الابرز بينها، وفق ما أافاد مصدر حكومي فرنسي، ما يعني أن المصارف المحلية الالمانية ستخضع هي أيضا مستقبلا لالية الرقابة خلافا لما كانت برلين تريده.

موقف ألمانيا

وقالت ميركل إن الرقابة المصرفية المخطط إنشائها في أوروبا لن تستطيع بدء عملها الفعلي في يناير عام 2013. وأضافت عقب مشاورات في قمة الاتحاد الأوروبي استغرقت عشر ساعات إنه من المنتظر وضع الأطر القانونية للرقابة المشتركة على المصارف في أوروبا بحلول نهاية العام الجاري. وذكرت المستشارة أنه يتعين أولا أن تبدأ الرقابة مهامها قبل أن تتمكن البنوك المتعثرة من إعادة رسملتها بشكل مباشر، وقالت: الهدف هو إقامة رقابة مصرفية تستحق هذا الاسم. وأشارت ميركل إلى أنه لم يتحدد متى بالتحديد ستبدأ الرقابة المصرفية عملها.

وفي ذات الإطار اعتبر وزير الاقتصاد الألماني راينر برودرله أن الاتفاق بشأن إنشاء رقابة مصرفية مشتركة نتيجة جيدة للحكومة الألمانية. وقال برودرله إن الديمقراطية ليست فرض موقف بل تعني التوصل إلى حلول وسط. وذكر برودرله أن مثل هذا النوع من الرقابة المصرفية لا يمكن أن يكون فعالا إلا إذا تم إنشاؤه على أسس راسخة ، وقال: وضع الأطر القانونية للرقابة بحلول نهاية العام الجاري أمر طموح لكن يمكن فعله.

وأوضح برودرله أن الهدف هو إخضاع كافة البنوك الأوروبية للرقابة بحلول عام 2014. وأشار برودرله إلى أن الرقابة المصرفية ستكون لدى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت. وأضاف: الرقابة على البنوك بحاجة إلى أساس فلا يمكن إدراج 6 آلاف بنك في جميع أنحاء أوروبا تحت رقابة بروكسل. وأوضح أن المهام الرقابية ينبغي أن تحال من كيان كبير يتمثل في البنك المركزي الأوروبي إلى جهات الرقابة المحلية.

مسألة حساسة

والرقابة المصرفية مسألة حساسة للغاية لأنها الشرط من أجل التوصل إلى اقرار عملية اعادة رسملة مباشرة للمصارف من قبل آلية الاستقرار الاوروبية، الهيئة الجديدة لحماية منطقة اليورو من الازمات، بدون زيادة عبء الديون على الدول.

وهذه الآلية يفترض أن تمنع تحول الازمات المصرفية إلى أزمات ديون وهي تتابع عن كثب الوضع في اسبانيا التي يترتب عليها دعم قطاعها المصرفي وقد حصلت من اجل ذلك على خط اعتماد بقيمة مئة مليار يورو. لكن مع التسوية التي تم التوصل اليها خلال القمة بات من المستبعد ان تستفيد مدريد من إعادة الرسملة المباشرة بشكل سريع.

تفاؤل وتشاؤم

وقال رئيس الوزراء الايطالي ماريو مونتي "سيحصل ذلك خلال العام 2013 لكننا لا ندري بعد متى بالتحديد". غير ان دبلوماسيا اوروبيا ابدى المزيد من التشاؤم إذ قال إنه "لن تتم اعادة رسملة المصارف الاسبانية قبل نهاية 2013 بل على الارجح في 2014".

وهو جدول زمني يناسب ميركل حيث من المقرر تنظيم انتخابات تشريعية في المانيا في سبتمبر 2013، تترشح فيها المستشارة لولاية جديدة في ظل تزايد المعارضة لدى الراي العام لمساعدة دول منطقة اليورو التي تواجه صعوبات اقتصادية.

اسبانيا واليونان

في المقابل قال دبلوماسي اسباني ان بلاده "اخذت علما منذ الان بانها لن تحظى باعادة رسملة مباشرة لمصارفها" مضيفا "قدرنا ان تمثل عملية دعم مصارفنا 4% من اجمالي ناتجنا الداخلي ويمكننا تولي ذلك بدون مشكلة". وتم بحث الوضع في اليونان على هامش القمة واصدر قادة منطقة اليورو بيانا "اشادوا فيه بالتقدم" الذي حققته البلاد من اجل "اعادة وضع برنامجها الاصلاحي على السكة" ما يلمح إلى أن اليونان ستحصل من الجهات الدائنة (الاتحاد الاوروبي والبنك المركزي الاوروبي وصندوق الندق الدولي) على حصة المساعدة الجديدة البالغة 31.5 مليار يورو التي تحتاج اليها بشكل ملح.

احتجاجات عنيفة

وانعقدت القمة في وقت نزل فيه عشرات آلاف اليونانيين الى الشوارع احتجاجا على التقشف في تظاهرات تخللتها أعمال عنف ومواجهات ولا سيما في اثينا حيث توفي رجل ستيني إثر أصابته بنوبة قلبية.

مدريد تستبعد طلب حزمة انقاذ أوروبية

 أكد رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي أن احتمالية طلب إسبانيا لحزمة انقاذ مالية من الاتحاد الأوروبي ليست قائمة في الوقت الراهن. وأشار راخوي إلى أن قادة أوروبا لم يتطرقوا لإمكانية حصول مدريد على مساعدات مالية أوروبية. وطالب راخوي الصحافيين بعدم الاهتمام بما يتردد حاليا حول طلب إسبانيا لحزمة انقاذ إلا أذا سمعوا هذا الأمر منه شخصيا، مبينا أنه في الوقت الراهن لا يوجد شيء من هذا القبيل.

أزمة كبيرة

وتمر إسبانيا بأزمة تسببت في تراجع الاقتصاد وأدت إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى معدل قياسي لتصل إلى نحو خمسة ملايين عاطل 25% منهم من الشباب، بالإضافة إلى ارتفاع عائدات سنداتها بشكل مطرد. وستحصل إسبانيا على 100 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لإنعاش قطاعها المصرفي، الذي تجري حاليا إصلاحات واسعة فيه.

إضراب عام

ودعت اللجان العمالية والاتحاد العام للعمال في إسبانيا لاضراب عام يوم 14 نوفمبر المقبل، احتجاجا على سياسات الحكومة. واجتمع أمين عام اللجان العمالية اجناسيو فرناندز توكسو وكانديدو ميندز بجانب قادة نقابين اوروبيين اخرين مع رئيسي المفوضية الاوروبية جوزيه مانويل باروزو والمجلس الاوروبي هيرمان فان رومبي.

 وأوضح توكسو ان اتفاق الكونفيدرالية الاوروبية للنقابات للدعوة لاضراب على المستوى الاوروبي في 14 نوفمبر هام للغاية، معتبرا ان هناك دوافع في إسبانيا للدعوة لاضراب عام بسبب "التقشف القاسي" الذي اعلنت عنه الحكومة في يوليو الماضي ولمشروع قانون ميزانية عام 2013.

رسالة وا ضحة

وذكر رئيس اللجان العمالية أن الحكومة تجعل الاضراب العام حتميا. ومن جانبه، أكد ميندز انه صدر للمرة الاولى بيان مشترك لجميع ممثلي العمال الاوروبيين لصالح توجيه رسالة واضحة في 14 نوفمبر لمعارضة سياسات التقشف. وأضاف إن الاتحاد العام للعمال سيتخذ غدا قرارا "واضحا للغاية" في هذا الشأن.

وقال "بدون اي شك، فإن هذا القرار سيرتبط بالركود الاقتصادي والارتفاع الكبير لمعدل البطالة ومعاناة الشعب الإسباني". وتمر إسبانيا بأزمة تسببت في تراجع الاقتصاد وأدت إلى تدمير جزء كبير من فرص العمل لتصل نسبة البطالة إلى معدلات قياسية نحو 5 ملايين عاطل.