لم تكد أزمة اليونان تخرج من عنق الزجاجة، برغم انه ليس هناك من يستطيع ان يؤكد نجاح انقاذ البلاد حتى يتم تنفيذ برنامج التقشف الذي يعترض عليه اليونانيون، الا وطفت على السطح مشكلة إسبانيا المالية، التي لا تقل خطورة عن ازمة اليونان. بل قد تزيد.
وحتى بعد موافقة المحكمة الدستورية في المانيا على اقامة صندوق انقاذ لمنطقة اليورو، مما يسمح بالمصادقة عليه وفقا لشروط، فقد اصاب الوهن منطقة اليورو في عدة نقاط حتى الآن. بينما تحيط الشكوك بجدوى صندوق الإنقاذ الأوروبي، ومدى قدرته على إنقاذ الدول المتعثرة.
ومن الواضح الآن انه لا يمكن التعامل مع ازمة اعضاء منطقة اليورو كل على حدة لأن الامر يدعو الى الاعتقاد بأن هناك خللا في الهيكل الاوروبي ذاته.
ولا يمكن التعامل مع الازمة المالية الاوروبية على انها سلسلة جزر منفصلة عن بعضها البعض، اليونان، ثم اسبانيا ثم ايطاليا والبقية تأتي.
وأصبحت اليونان محاصرة. ومادامت البلاد في خطر الخروج من الاتحاد النقدي الاوربي فسوف يستمر الانكماش الاقتصادي ولن تتحقق اهداف برنامج المساعدة وسوف تتجه السياسات الى التطرف. وبما أن اليونان لا تحقق النمو ولا تحقق اهداف البرنامج وسياساتها في مهب الريح فسوف يكون خطر الخروج من الاتحاد الاوربي قائما.
المشكلة الإسبانية
في وقت سابق ضمنت اسبانيا مساعدات بقيمة 100 مليار يورو ومنطقة اليورو لإنقاذ بنوكها غير أن هذا لم يحقق شيئا في استعادة الثقة. الديون المعدومة في اسبانيا بلغت مستوى قياسياً لم يحدث منذ 18 عاما. وانتشرت تقارير بأن اقل تقدير لخسائر البنوك سوف يتجاوز 10 مليارات يورو. ويتعين على الحكومة الاسبانية ان تهرع لإنقاذ البنوك، غير انها غير قادرة على ذلك. فقد باعت اسبانيا آخر مرة سندات حكومية تستحق خلال 12 شهرا بفائدة 5 % ، أي اعلى مما كان عليه سعر فائدة السندات قبل ذلك.
وأدت المشكلات المالية في اسبانيا الى وضع البلاد في مقدمة دول منطقة اليورو التي تعاني. ومع تخفيض الميزانية والرواتب وارتفاع معدل البطالة الى 25 % وارتفاع معدل الاقراض، فان معدل النمو ارتفع بدرجة مثيرة للدهشة، وفق ما قالته ماريا لوبيز المحللة الاقتصادية في بنك اسبريتو سانتو الاستثماري. وكان ارتفاع الاقراض الشهري باليورو في شهر يونيو هو اعلى منذ انفجار فقاعة العقارات من خمس سنوات.
وظهرت تلك الاحصاءات في الوقت الذي كانت فيه البورصة على وشك تسجيل خامس ارتفاع لها على التوالي حيث استمر المستثمرون في الرهان على أن سلطات منطقة اليورو سوف تحرك بفاعلية لإنقاذ العملة الاوروبية الموحدة والدول الاعضاء عن طريق شراء سندات الدين لتخفيف تكاليف الاقراض في اسبانيا وايطاليا.
الديون المعدومة
وعندما أعلنت البنوك الاسبانية نتائجها في وقت سابق عن الربع الثاني اشار عدد من المصرفيين الى الارتفاع السريع في الديون المعدومة لأن مطوري العقارات تخلوا عن المشاريع الجديدة بسبب تراجع الطلب على المنازل وصعوبة شروط الاقراض.
وقال كبير الخبراء الماليين في بنك بوبيولار اسبانول ان الازمة العقارية تتفاقم ويرتفع عدد شركات التطوير العقاري التي تتخلى عن المشاريع.
وتراجعت اسعار المنازل بأسرع معدل لها منذ بداية الازمة في الربع الثاني من العام، وبلغ معدل الهبوط في الاسعار 8.3 % في العام الجاري. ويتوقع غالبية خبراء الاقتصاد ان تستمر اسعار المنازل في الهبوط لمدة عام آخر على الاقل وان تظهر آثار الركود الاقتصادي بوضوح في العام المقبل، مما يعني ان الديون المعدومة يحتمل أن ترتفع في الاشهر القليلة المقبلة.
وهناك اقتراحات بتوفير برنامج مساعدات اضافية حتى يمكن اخراج اسبانيا من النفق المالي المظلم. في قمة العشرين التي عقدت في وقت سابق في المكسيك، اقترح بعض الزعماء استخدام صناديق انقاذ منطقة اليورو لشراء سندات من الحكومات التي تتعرض للخطر مثل اسبانيا. ويمكن لآلية الاستقرار الاوروبي وما سبقها وصندوق الاستقرار المالي الاوروبي استغلال صلاحيات خاصة لانفاق مئات المليارات من اليورو في محاولة لوضع حد اقصى لتكاليف الاقتراض للدول المدينة.
الموقف الألماني
غير ان إشارات جديدة اثارت شرارة في الاسواق، وليس من المعلوم الى متى تستمر تلك الاشارات. فـألمانيا القوة الاقتصادية التي يعتد بها في المجموعة الأوروبية، لم تصادق على الخطة، وحتى اذا فعلت لن تكون الاموال كافية لإنقاذ اسبانيا، ولا نتحدث هنا بعد انضمام ايطاليا الى قطار الدول المتعثرة التي تبلغ ديونها السيادية تريليوني يورو.
ان محدودية الاموال المتاحة للإنقاذ الوطني هي اشارة الى محدودية التزام المجموعة الاوروبية، او بمعنى آخر تدفع المستثمرين الى الهروب.
وإذا كانت صناديق الانقاذ لديها حرية الاقتراض لكميات غير محددة من الأموال من المصرف المركزي الاوروبي، فان هذا وحده يمكنه ان يدعم سداد الديون السيادية الاوروبية. وليس هناك حتى الآن اي اشارة على ذلك.
وحتى اذا توفرت تلك السلطة لهذه الصناديق فان تدخلها للإنقاذ يمكن أن يأتي بنتيجة عكسية اذا شعر حاملو السندات بخوف من ان مشتريات تلك الصناديق بكميات كبيرة من السندات هو مجرد دفع واقناع للمستثمرين بان يشتروا من نفس السندات.
ويتعين على الاتحاد الاوروبي ليجد مخرجا من الازمة الحالية التدخل في سوق السندات ليجمع بين حاجاتها واجراء تغيير جذري في نظامه بشجاعة. وكما قيل من قبل فان هذا يعني خطة مفصلة لانشاء اتحاد مصرفي والتشارك في تحمل بعض الديون.
لكن المانيا، من خلال التأكيدات التي جاءت في اللحظة الاخيرة بانها سوف تفعل ما يتعين عليها فعله، واعلان الالتزام بنصف الاجراءات والتركيز على حدود قدرة المانيا في المساعدة تلقي بظلال الشكوك وتعمق الآلام الاقتصادية. وان كل علاج سريع تم الاطراء عليه في السابق على انه انتصار قبل تحقيق نجاح نهائي يقلل من المصداقية التي تعد امرا ضروريا للدفع من اجل اجراء اصلاحات حقيقية.
هذا الامر يجعل السياسات تنحرف. ان رئيس فرنسا الجديد فرانسوا أولان يطالب بتقديم مساعدة اوروبية حتى رغم انه ينتهج سياسات تتضمن تخويف الشعب الالماني حتى يعتقد ان بلاده تتعرض للخداع لإنقاذ دول كسالى. وهناك مقاومة أكبر للإصلاحات في ايطاليا.
واوضحت الاحصاءات ان النمو الاقتصادي في المنطقة انكمش بنسبة ٪0.2 بين ابريل ويونيو الماضيين، بعد اخفاق في تحقيق نمو في الربع الاول من العام. وترجع قوة دفع صادات منطقة اليورو حاليا الى استمرار الطلب على الاستيراد من دول العالم الاخرى، والتي تفوق الضعف في جنوب اوروبا، وفق ما قاله مصدر مصرفي من بنك سوسيتيه جنرال. واضاف المصدر ان قوة الصادرات قد لا تستمر لكن أي تراجع سوف يكون تدريجيا وليس سريعا.
نمو الصادرات
وسط كل تلك المشكلات المالية التي تحيط بمنطقة اليورو، ارتفعت الصادرات الاوروبية في يونيو ويوليو الماضيين لتعزز الميزان التجاري لمنطقة اليورو ليصل الى افضل حالاته منذ فترة طويلة. ويعطي ذلك بارقة امل في ان طلب الدول الاخرى خارج منطقة اليورو يمكن أن يساهم في تعافي الركود الاقتصادي الاوروبي. ونمت صادرات منطقة اليورو بما يعادل خمسة أمثال معدل نمو الواردات، على أساس سنوي خلال شهر يوليو الماضي، ما عزز الفائض التجاري للمنطقة مع بقية العالم.
وقال مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي أمس، إن الفائض التجاري في دول منطقة اليورو، بلغ 156 مليار يورو خلال شهر يوليو الماضي، ارتفاعا من 21 مليار يورو خلال شهر يونيو، مع ارتفاع الصادرات بنسبة 11% على أساس سنوي، ونمت الواردات بنسبة 2%. وأوضح المكتب الإحصائي، أن ضعف الواردات يشير إلى تراجع الطلب المحلي، مع تفاقم التباطؤ الاقتصادي في منطقة اليورو بسبب أزمة الديون السيادية.
ووفقاً للبيانات المعدلة في ضوء العوامل الموسمية، بلغ الفائض التجاري 79 مليارات يورو فقط، انخفاضاً من 93 مليارات يورو، خلال شهر يونيو الماضي، مع تراجع الصادرات بنسبة 2% على أساس شهري، وتراجع الواردات ٪21.
واشارت الارقام الى ارتفاع الصادرات الاوروبية بنسبة ٪12 في يونيو الماضي مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، بينما ارتفعت الواردات بنسبة ٪2 بالتالي بلغ فائض الميزان التجاري 14.9 مليار يورو ( 18.41 مليار دولار). وكان هذا اعلى رقم للفائض التجاري منذ عام 1999 عندما بدأ تسجيل الارقام.
وبالتأكيد يعكس الارتفاع في الصادرات، خاصة السلع المصنعة، ضعف قيمة اليورو امام العملات الرئيسية الاخرى منذ فترة ليست قصيرة.
وقد دفع ارتفاع الصادرات مستوى التفاؤل بأن تراجع النمو الاقتصادي في المنطقة سوف يكون قصير الامد، لكن ضعف نمو الواردات في نفس الشهر، بعد نمو في الشهر السابق له يوضح الحالة الهشة للطلب المحلي وهو عنصر مهم في حل المشكلات الاقتصادية في المنطقة.
تحذيرات من التراخي في مواجهة الأزمة
حذر رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبي أمس من تراخى الدول الأوروبية في مواجهة أزمة ديون منطقة اليورو وحث الدول على مواصلة الإصلاحات.
وتراجعت حدة ضغوط الأسواق المالية على الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الماضية عقب اتخاذ البنك المركزي الأوروبي خطوات للعمل على استقرار تكاليف الاقتراض الاسبانية والإيطالية.
وقال فان رومبي " أوروبا تسير في طريق الخروج من الأزمة ولكن مازال أمامها كثير من العمل".
وأضاف "طالما هناك نحو 25 مليون شخص في بلادنا يبحثون عن عمل وطالما أننا لم نحقق الاستقرار لليور بصورة كاملة فإننا لا يمكننا التراخي" مشددا على أهمية إجراء مزيد من الإصلاحات لتعزيز الوظائف والنمو الاقتصادي.
ومن المتوقع اتخاذ قرارات مهمة خلال الأشهر المقبلة بشأن إجراءات التغلب على أزمة ديون منطقة اليورو بالإضافة إلى إصلاحات أطول مدى من أجل تدعيم العملة الأوروبية الموحدة باتحاد مصرفي مشترك.
