أزمة حادة تلوح بوادرها في مصر بعد التسريبات التي أطلقتها الحكومة بشأن نيتها رفع أسعار الوقود بكل فئاته خاصة البنزين والسولار والبوتاغاز بنسب تتراوح ما بين 100 120 % وتحرير أسعار بعضها، في خطوة يعتبرها بعض المحللين بأنها قد تؤدي إلى ثورة جديدة في الشارع المصري الذي يعاني من غلاء الاسعار مقابل الدخول المحدودة والتي كانت سببا رئيسيا لاندلاع ثورة 25 يناير.

وتهدف التسريبات التي أطلقتها الحكومة المصرية إلى جس نبض الشارع المصري قبل الحديث العلني رسميا عنها، وهو ما خلق حالة من التحفز والنفور لدى المواطن المصري، خاصة أن رفع أسعار البنزين سينعكس بالسلب ليس على أصحاب السيارات فقط بل على وسائل المواصلات كافة والتي بدأت رفع أسعارها فعليا بعد التسريبات التي أطلقتها الحكومة.

وأكد محللون اقتصاديون في تصريحات للبيان أن الحكومة المصرية الحالية التي شكلت تحت حكم الاسلاميين تهدف من وراء هذا الاجراء إلى تلبية مطالب صندوق النقد الدولي الذي يضع شروطا صعبة لإقراض مصر مبلغ 4.8 مليارات دولار الذي طلبته القاهرة بجانب شرط آخر لا يقل خطورة على مستقبل المصريين وهو رفع يد الدولة عن سعر الصرف ما يمهد لموجة غلاء فاحش.

وقالوا إن الحكومة وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الاخوان المسلمين يسعون من وراء هذه الإجراءات لمحاولة توفير سيولة وتقليص الضغط على الموازنة العامة للدولة والتي سجلت أعلى عجز في تاريخها عندما بلغ 170 مليار جنيه في الموازنة الجديدة للعام 2012-2013، لكن المواطن المصري غير معني بذلك ويجب ألا يتحمل المزيد من الضغوط.

لكن الدكتور أحمد النجار عضو اللجنة الاقتصادية بحزب الحرية والعدالة نفى أن يكون للحزب أي صلة بما تم تسريبه من قبل الحكومة في شأن زيادة أسعار الوقود مؤكدا في تصريحات خاصة للبيان بأن الحزب أبدى انزعاجه التام من هذه التصريحات وأنهم رفعوا مذكرة رسمية إلى الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية وإلى رئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل اعتراضا على هذه الخطوة إذا ما كانت صحيحة.

ويقول الخبير الاقتصادي محمد رضوان إن الحكومة الحالية تتبع نفس أساليب النظام السابق في إدارة الدولة، وأضاف أن تبعات رفع أسعار البنزين ستضرب كل شيء في البلاد وستؤدي إلى ارتفاعات عشوائية في أسعار النقل والمواصلات اليومية التي ستأخذ أكثر من أنصاف رواتب الموظفين الضعيفة ما يهدد باحتمالات كبيرة لثورة جديدة.

تسريبات

وسربت الحكومة المصرية الاسبوع الماضي الاسعار الجديدة بعد أن أخضعتها لبعض التعديلات والتخفيضات وصلت نسبتها إلى نحو 15% لما سربته في مايو الماضي حكومة الدكتور كمال الجنزوري لكن بوادر الغضب الشعبي جعلتها تواري نواياها لزيادة أسعار الوقود، وتضمنت التسريبات المقترحات الجديدة لأسعار الوقود بفئاته المختلفة من بنزين وسولار وبوتاغاز في مصر، مدعية أن ذلك يهدف إلى وصول الدعم لمستحقيه ووقف الهدر الحالي.

وتتضمن خطة خفض دعم الوقود منح قسائم لمستحقي الدعم في منافذ التموين للحصول على أسطوانات الغاز بسعر 5 جنيهات للأسطوانة بواقع اسطوانتين شهريا لكل أسرة، ويصل عدد الاسر المستحقة وفقا لخطة الحكومة نحو 12 مليون اسرة مصرية، بينما حددت الحكومة سعرا لأسطوانة الغاز للأسر غير المستحقة والقادرة يتراوح ما بين 25 إلى 30 جنيها لكن التسريبات لم تحدد الاسر المستحقة وغير المستحقة.

وتقضي الخطة برفع سعر البنزين بكل فئاته ليصل سعر بنزين 90 إلى ما بين 2.7 جنيه للتر بدلا من سعره الحالي عند 1.85 جنيه ومقابل 3.9 جنيهات تكلفته الحقيقية وهو ما يقلص حجم الاعباء على الموازنة العامة للدولة، كما تضمنت الخطة رفع سعر بنزين 92 إلى 2.85 بدلا من 1.85 جنيه سعره الحالي ومقابل 4.7 جنيهات تكلفته الحقيقية على الدولة في حين إن الدولة لم تحدد حتى الآن مصير بنزين 95 الاكثر نقاء والذي تستخدمه الطبقة الغنية حيث إنه لا تزال تدرس بديلين الاول تحريره المطلق والثاني رفع سعره إلى 4 جنيهات للتر بدلا من 2.75 جنيه سعره الحالي ومقابل 5.1 جنيهات تكلفته الحقيقية على الدولة لكل لتر.

وشملت التسريبات الحكومية لخطتها رفع أسعار المواد البترولية توزيع السولار على المزارعين وبعض المنشآت الإنتاجية الحكومية بسعره الحالي 110 قروش لليتر وبيعه في الأسواق بما بين 2.2 و2.6 جنيه للتر في حين يكلف الدولة 3.9 جنيهات للتر.

وتشير إحصاءات وزارة البترول المصرية إلى أن الاستهلاك المحلي من البنزين يبلغ 5.2 ملايين طن سنويا منها 2.7 مليون طن بنزين "80" و1.5 مليون طن بنزين "92" ومليون طن بنزين "90" و400 الف طن بنزين "95".

وقال مسؤول حكومي في مصر إن الحكومة السابقة تقدمت مطلع العام الحالي بخطة لرفع أسعار المواد البترولية خاصة البنزين 95 الذي كان مقترحا ان يتم الرفع الكامل لدعمه مع تحديد حصة معينة لصاحب كل سيارة ملاكي تستخدم بنزين 90 و92 المدعم عن طريق الكوبونات وتختلف الحصة حسب نوعية كل سيارة وبعد انتهاء الحصة من حق صاحب السيارة شراء كميات اضافية ولكن بأسعار أعلى.

رفض سابق

وقال المهندس عبد الله غراب وزير البترول والثروة المعدنية السابق إن الحكومة السابقة كانت قد تقدمت بمقترحات لمراجعة دعم الوقود لكن بعض الجهات والقوى السياسية رفضت في ذلك الوقت رافضا الافصاح عن هذه الجهات، مشيرا إلى أن الخطة كانت تضمن عدم المساس بأسعار دعم البنزين او السولار الا بعد توفير الكوبونات وانشاء صندوق لتمويل مشروعات النقل الجماعي وإجراء دراسات حول الحل الامثل لوصول البنزين بأسعاره الحالية لمستحقيه دون الحاجة لرفع الاسعار.

وقال مسؤول في وزارة المالية المصرية إن التكلفة الحقيقية لدعم الطاقة في الموزانة العامة للدولة للعام المالي السابق 2011-2012 بلغت نحو 115 مليار جنيه، في حين إنه مسجل على الورق بنحو 95 مليار جنيه بما يعني أن هناك عجزا إضافيا بلغ 20 مليار جنيه.

وأوضح أن دعم السولار وحده بلغ 50 مليار جنيه، والبوتاجاز 19.4 مليار جنيه، والغاز الطبيعي 9.8 مليارات، والبنزين 21.6 مليارا، والمازوت 12.4 مليارا، مشيرا إلى أن دعم الطاقة في الموازنة الحالية 2012-2013 تم تخفيضه إلى 70 مليار جنيه فقط بما يعني أن العجز سيرتفع في هذا المخصص وحده إلى 45 مليار جنيه، بما سيضع الحكومة والدولة في مأزق كبير وهو ما يستوجب تحريرا جزئيا أو رفع أسعار الوقود لمواجهة عجز الموازنة المتنامي. وأشار إلى أن هذا الرقم الضخم من الدعم يستفيد منه 20 % فقط من مستحقيه بينما 80 % لا يستفيدون منه بما يشكل عبئا أكبر على الدولة معتبرا أن سياسة التسعير الجديدة للطاقة ستقلل بحد كبير استفادة غير المستحقين من هذا الدعم.

أجواء مشحونة

ووسط كل هذه الاجواء المشحونة والتي تشير إلى أن رفع أسعار البنزين على الوقود باتت على الابواب، سربت وزارة البترول المصرية تصريحا لوسائل الاعلام نهاية الاسبوع الماضي في محاولة لتهدئة الرأي العام لكنه أجج المخاوف لدى الشارع، عندما ذكرت على لسان مسؤول فيها أن أي قرار زيادة أسعار البنزين أو الأنواع الأخرى من الوقود، لم يحدد له موعد حتى الآن وأن صدوره لن يتم إلا من خلال قرار من مجلس الوزراء في حين أكدت مصادر أخرى أن القرار ينتظر اعتماد رئيس الجمهورية أولا.

وأكد المصدر أن دعم المواد البترولية يستحوذ وحده على 75 % من قيمة الدعم الاجمالي في الموازنة العامة للدولة، في حين تحصل باقي القطاعات التي تهم محدودي الدخل، مثل التعليم والصحة والخبز والمواصلات العامة على 25% فقط من الدعم ما يمثل خللا كبيرا في توجيه الدعم.

وأشار إلى أن اجمالي استهلاك مصر من الوقود بشكل عام يصل إلى 71 مليون طن سنويا يتم استيراد جزء كبير منها لمنع أزمات نقص الوقود كما كان يحدث ما أدى إلى استنزاف جزء كبير من احتياطي العملة الصعبة، مشيرا إلى أن حجم الدعم للتر الواحد من البنزين يتجاوز 3 جنيهات ويصل إلى أكثر من 4 جنيهات في السولار.

 

 

 

رأي الخبراء

 

 

 

ترى الدكتورة عالية المهدي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة إن هذا التوجه المتوقع في ما يتعلق بإلغاء الدعم عن بنزين 95 أو زيادة أسعار بنزين 90 - 92 يعد توجها إيجابيا ومتوقعا في هذه الفترة، خصوصا مع زيادة الأعباء على ميزانية الدولة. وقال محسن عادل الخبير الاقتصادي، إن على الحكومة دراسة آثار هذا القرار أولا خاصة وأن الوفور المستهدفة منه والتي تقدر بنحو 6 مليارات جنيه قد تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية إذا لم يحسن دراسة أثره على منظومة المستهلكين بعناية، مشيرا إلى عدم توقعه لوصول قيمة الزيادة في بعض انواع الوقود إلى ما يزيد على 100 %.

بينما يرى محمد صالح الخبير الاقتصادي أنه على الحكومة السعي جديا لإلغاء دعم الطاقة الموجه للشركات والمصانع كثيفة الاستهلاك.