أكد مراقبون أن ألمانيا هي من ستحدد مصير أزمة اليورو، لكنهم أشاروا إلى أن اعتمادها بقوة على ما تستورده الصين من آلات ومدخلات إنتاج يجعل جزءاً من حل الأزمة في يد بكين. وتعتبر برلين، لا بروكسل، أكبر ممول للاتحاد الأوروبي، ما يمنحها عملياً حق الاعتراض على قرارات رئيسية.

ووفقاً لأولئك المحللين فإن الهاجس الرئيسي في أروقة الحكم في ألمانيا ليس إن كانت اليونان ستلتزم بوعود الإصلاح ولا إن كانت إسبانيا ستطلب مساعدة إنقاذ أوروبية، بل وباعتبارها ثالث أكبر دولة مصدرة في العالم، فإن خشية ألمانيا من أن تفقد الصين شهيتها لاستيراد الآلات والسيارات الألمانية أو بشأن ما سيتعين على المصانع الألمانية الشهيرة إنتاجه في 2030 أكبر بكثير من قلقها بشأن اليونان أو إسبانيا.

قبضة ميركل

ويهيمن الحضور السياسي المتزايد للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل على المسرح في ألمانيا. وقبل أقل من عام على الانتخابات الاتحادية يبدو أنها لا تقهر. وأثار رفض ميركل لتبني حلول جريئة وشاملة لأزمة منطقة اليورو من البداية غضب بعض المنتقدين خارج ألمانيا. لكن هذا الرفض ينسجم تماماً في الداخل مع ميل الألمان للحذر والتأني والاقتصاد في الإنفاق والجد في العمل.

ودفعت ميركل منطقة اليورو إلى الحافة في وقت سابق هذا العام حينما رفضت مقترحات بأن تشترك الحكومات الأوروبية في ضمان الاقتراض الحكومي وودائع البنوك. لكنها هدأت روع الأسواق في الأسابيع الماضية بالتخلي عن معارضتها لشراء المركزي الأوروبي سندات الدول المعرضة للخطر في جنوب أوروبا، بهدف تقليل كلفة الاقتراض شريطة أن توافق تلك الدول على إصلاح اقتصاداتها.

طوق النجاة

وقال مايكل ناومان، وهو صحافي وناشر ووزير سابق ينتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي: ما نقوله الآن هو أننا سنلقي لك طوق النجاة لكننا لن نجذبك خارج المياه إلى أن نرى منك محاولات للسباحة. هذا «التضامن المشروط» مع جيران ألمانيا يروق لشعب يخشى الفاتورة النهائية لإنقاذ منطقة اليورو.

لا يريد الألمان أن يصبح تفوقهم الاقتصادي الذي كافحوا من أجله عرضة للخطر بسبب ما يعتبرونه تهوراً وتسيباً في الإنفاق من دول مجاورة لم تقم بالإصلاح الاقتصادي المطلوب كما فعلت ألمانيا في وقت سابق من القرن الحالي.

وقال سفير في برلين: سر نجاح ميركل هو الطريقة التي تصور بها نفسها كنصير دافع الضرائب الألماني، فلا توافق إلا بصعوبة على اتفاقات إنقاذ منطقة اليورو، وتفعل ذلك في اللحظات الأخيرة وهي مكرهة.

وفي الوقت الذي تناقش فيه دول أوروبية أخرى مسألة السماح ببقاء اليونان في منطقة اليورو بعدما أخفقت في تحقيق أهداف خفض الإنفاق وخصخصة أصول الدولة وتحرير اقتصادها، فإن المسؤولين في برلين يقولون إن ألمانيا قررت بالفعل في صمت أن تسمح لأثينا بالبقاء.

وقال مسؤول: قبل ستة أشهر كانت المستشارة ميركل تميل لإخراج اليونان من منطقة اليورو لكن ليس الآن حتى بالرغم من أن مصداقيتها تكاد تتلاشى.

وتعارض سارة فاجنكنيشت نائبة رئيس حزب اليسار إنقاذ منطقة اليورو، لأنها تقول إن برامج الإنقاذ تصب في مصلحة المصرفيين والأغنياء وتضر بالفقراء والعاطلين. لكن حزبها لم يحصل في استطلاعات الرأي سوى على أربعة بالمئة وهي نتيجة تعزوها إلى صراع داخلي مستمر منذ فترة. ويقول آخرون إن ألمانيا تتمتع برخاء لا يسمح بازدهار حزب يساري متشدد.

الخطر الأكبر

لكن الخطر الأكبر الذي يلوح في الأفق أمام ميركل هو خطر اقتصادي وليس سياسياً، فالاقتصاد الألماني يتباطأ وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يعاني من ركود طفيف. إلا أنه لا أحد يتوقع صعوبات في المناخ الاقتصادي ما لم تلم بالصين نازلة أو تحدث كارثة خارجية أخرى.

وأجرى اتحاد الصناعة الألماني مؤخراً مسحاً لأعضائه الذين يعملون بنسبة 84 بالمئة من الطاقة الإنتاجية، ووجد أنه لا يوجد من يتوقع تباطؤاً حاداً. لكن رجال الصناعة يخشون التفاوت الكبير بين شمال منطقة اليورو الغني وجنوبها المثقل بالديون والمتأثر بالأزمة.

وقال أحد رجال الصناعة البارزين، إن تحقيق الوحدة النقدية بحاجة لحد أدنى من التجانس، مشيراً إلى أنه ولو كانت الدول الأخرى لا تريد قطاعاً تجارياً كبيراً به كثير من البضائع الصناعية فلن يمكن لمنطقة اليورو الاستمرار.

وأشار إلى أن جنوب أوروبا ربما ترغب في تجربة استخدام عقاراتها غير المرغوب فيها التي جرى بناؤها خلال سنوات الطفرة لتقديم العلاج الطبي وتوفير خدمة علاجية أفضل للمرضى وأكثر ترشيداً للكلفة من أي مكان آخر.

 

تفجير المفاجآت

يخشى آخرون في برلين من قدرة منطقة اليورو اللانهائية على تفجير المفاجآت غير السارة.

وقال مسؤول حكومي كبير: في الوقت الحالي يبدو التكتل مثل مجموعة من عرائس لعبة البولينغ، بعضها غير مستقر، وهناك خطر أن تقع إحداها وتأخذ الآخرين معها. لكن لا نعرف أيها ستقع. ربما تكون اليونان أو إيطاليا أو إسبانيا. أو ربما تأتي الضربة من دولة من الخارج مثل الصين.

لكن في كل الأحوال ليست هناك مخاوف كبيرة في الداخل، حيث مازال الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي وواحد من أعلى مستويات المعيشة في العالم قائماً بالرغم من أن دولاً أوروبية أخرى على حافة الهاوية.

وفي ظل الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي السلس هل تشعر ألمانيا بالسعادة؟ النخبة في برلين لا تطلق العنان بسهولة للشعور بالفرح. وقال أحد الوزراء: ليس صحيحاً أننا بلا مشاكل ولدينا أحد أسرع معدلات ارتفاع متوسط عمر السكان في العالم، ومن 2020 فصاعداً سنواجه صعوبة بسبب ذلك. وهذه مشكلة لا يمكن لليونانيين حتى أن يحلموا بها.