رصدت دراسة متخصصة لمؤسسة الخليج للاستثمار زيادة معدلات البطالة بين العمالة الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي بحيث تجاوزت وفق آخر البيانات المستقاة من المصادر الوطنية نسبة 10.5% كما هو الحال في المملكة العربية السعودية و14% في الإمارات و8% في عمان والبحرين وإن تدنت النسبة إلى 6% في الكويت وإلى حوالي 3% في قطر.
وقالت الدراسة: رغم أن هذه المعدلات مرتفعة للغاية إلا أن المسألة الأكثر إلحاحاً تتعلق بمعدلات البطالة السائدة بين الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 19-25 عاما إذ تبلغ معدلات البطالة بينهم حوالي 30% في حالة المملكة العربية السعودية ، 28٪ في البحرين، 23% في عمان وحوالي 24% في الإمارات و12% في الكويت.
ويفاقم من مغزى هذه الأرقام أن الكثير من المتعطلين من الشباب في دول المجلس قد امضوا فترات طويلة في "حالة البطالة" حتى باتت أشبه ما تكون "بالبطالة المزمنة".
غالبية المتعطلين متعلمون
وأضافت الدراسة: أن ما يسترعي الانتباه هو أن غالبية المتعطلين هم من المتعلمين الذين أمضوا سنوات طويلة في التحصيل العلمي سيما من خريجي الثانوية العامة والمؤهلات الجامعية الأمر الذي يثير التساؤل عن مدى ملائمة مخرجات النظام التعليمي مع متطلبات أسواق العمل الحديثة. ومحصلة ذلك كله تمثل في انخفاض معدلات الإنتاجية في دول مجلس التعاون وتزاحم العمالة الوطنية في القطاع العام مع استخدام القطاع الخاص لعمالة أجنبية رخيصة الأجر وقليلة المهارة.
ويعتمد اقتصاد دول مجلس التعاون على النفط والغاز كمصدر أساسي للإيرادات والتي تقوم حكومات دول المجلس باستخدامها من أجل إقامة مشاريع اقتصادية لأغراض التنمية الاقتصادية شاملة تنمية القطاع الخاص إضافة إلى توظيف الكوادر الوطنية في الأجهزة الحكومية المختلفة.
وقد استثمرت دول المجلس قدراً يعتد به من عائدات النفط في تنمية الموارد البشرية وفي الارتقاء بمستوى معيشة الإنسان الخليجي وذلك من خلال الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب وفي الصحة والعناية بالطفولة والأمومة ورعاية كبار السن والمتقاعدين إلى ما غير ذلك من الاستثمارات في المشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.
وراجعت الدراسة المتخصصة عن التوظيف والبطالة في دول مجلس التعاون الأدبيات المتخصصة والسياسات الاقتصادية في موضوعها واستخدمت بيانات رسمية ومنهجيات علمية وقامت بإعداد مجموعة من التوصيات.
وقد لاحظت الدراسة مشفوعة بغيرها من الأبحاث أن حصيلة برامج التنمية الاقتصادية ولان نجحت في الارتقاء بمستويات المعيشة والرفاهة إلا إنها قد تقاعست عن خلق العدد الكافي من الوظائف لاستيعاب الأعداد الجديدة والمتزايدة من العمالة الوطنية الداخلة إلى أسواق العمل؛ الأمر الذي تمخض عنه "معضلة البطالة الخليجية"
تزايد أعداد الإناث
ولاحظت الدراسة أن هناك اتجاها متسارعاً لتزايد أعداد الإناث المتخرجات من النظام التعليمي والباحثات عن عمل مع استشراف انه في ظل اضطراد الزيادة في دفعات الإناث الخليجيات المتخرجات من النظام التعليمي فإن نسب البطالة ستتجه إلى التزايد ما لم يتم خلق الأعداد الكافية من الوظائف لاستيعاب العمالة الوطنية عند أجور مقبولة تكفل العيش الكريم.
بل أن ما يصبغ على هذه الإشكالية صفة الأهمية ويضعها في سلم أولويات السياسات الاقتصادية لدول المجلس ما أظهرته تقديرات صندوق النقد الدولي أن الأعوام القادمة قد تشهد زيادة أعداد الوطنيين المتعطلين من أبناء دول المجلس إلى حدود 2-3 مليون متعطل إضافي ما لم يتم اتخاذ الإجراءات والبرامج الكفيلة بخلق الوظائف المناسبة لمواجهة هذه الإشكالية والحيلولة دون استفحالها.
جذور المشكلة
تنبثق جذور إشكالية البطالة في دول المجلس من مصادر اقتصادية وتعليمية وديموغرافية. فاما الجذور الديموغرافية فتتمثل في سرعة معدلات النمو السكاني وغلبة الفئات الشابة والفتية في الهرم السكاني والتي ستتدافع في الأعوام القادمة نحو الالتحاق بأسواق العمل بمعدلات مرتفعة تستوجب إيجاد وظائف كافية لها .
وأما جذورها الاقتصادية فتتلخص في ان الاقتصاد الخليجي هو اقتصاد ريعي تأسس منذ أواسط القرن الماضي على استئثار القطاع الحكومي بالحصة الغالبة من الأنشطة الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية والبرامج شاملة بالضرورة توظيف العمالة الوطنية في القطاع العام.
وكان من مترتبات الاقتصاد الريعي دفع مرتبات وأجور مرتفعة للعمالة الوطنية لاستقطابها لشغر الوظائف الحكومية الإدارية والتنفيذية والقيادية لإدارة مختلف مناحي الحياة الوطنية. وفي ذات الوقت فتح باب الهجرة العمالية على مصراعيه لاستقطاب عمالة لازمة لمرحلة التعمير والتشييد والبناء شاملة مرافق الصحة والتعليم والمشاريع الهندسية المختلفة.
ومن هنا تواجد قطاع عام يسعى نحو توظيف واستقطاب العمالة الوطنية بأجور ومزايا مرتفعة جنبا إلى جنب مع ملايين الأشخاص من العمالة الوافدة إلى القطاع الخاص والتي يسعى أرباب الأعمال فيها نحو تحقيق الربح والعائد الاقتصادي واختزال التكاليف المختلفة شاملة الأجور والمرتبات.
توصية بإنشاء صندوق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يقرض الخريجين
خرجت دراسة مؤسسة الخليج للاستثمار بمجموعة من التوصيات منها: أن تحرص دول المجلس على زيادة العناية بحديثي التخرج من النظام التعليمي بإنشاء صندوق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يقوم بمنح المتخرجين طبقا لمعايير حصيفة وحاجة القطاع الخاص، قروضاً لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة Small & Medium Enterprises في مجالات وقطاعات معينة. وتقترح المؤسسة أن يكون حجم الإقراض في حدود 40-50 ألف دولار للمتخرج يتم سداده على دفعات سنوية ميسرة على أن يتم خلق بنك للمعلومات والرقابة لمتابعة تنفيذ المشروع من قبل المقترض والتأكد من أن المشروع يحقق توظيف المقترض وغيره من العمالة الوطنية.
كما أوصت بأن تعمل دول مجلس التعاون على تنفيذ برامج لتوطين الإنتاج والوظائف داخل دول المجلس وفق بعد زمني محدد وذلك بتشجيع خلق صناعات وطنية في كافة المجالات التي تتوفر فيها الميزة النسبية ومطالبة الشركات العملاقة الدولية والتي تحصل على عطاءات استثمارية وإنتاجية داخل دول المجلس: أن تقوم بخلق نواة إنتاجية محددة تسهم في توطين القدرات التصنيعية والتكنولوجيا إلى جانب توطين الوظائف وبشكل مبرمج وإعطاء الأولوية للشركات الدولية التي تحرص على خلق القدرات الإنتاجية الوطنية وتوظف العمالة الوطنية كشرط أساسي للعطاء سواء في مشاريع الحكومة ومشترياتها أو مشاريع القطاع الخاص ومشترياته أو المشاريع المشتركة فيما بين القطاعين العام والخاص لدول المجلس.
ودعت الدراسة إلى أن تقوم دول المجلس بتقليص فوارق الأجور والمزايا شاملة التأمينات وأنظمة التقاعد بين القطاع العام والخاص والتي يحصل عليها المواطنون المشتغلون في القطاعين. ويتضمن ذلك أيضا تحقيق التقارب في معدلات الجهد المتمثل في أيام وساعات العمل الأسبوعية والإجازات السنوية وحقوق المشتغلين في كل من القطاعين.
جعل توظيف العنصر الوطني أحد ركائز مسؤولية الشركات
أكدت الدراسة أهمية تشجيع دور مؤسسات وشركات القطاع الخاص في مجال المسؤولية الاجتماعية للتنمية المستدامة عن طريق جعل توظيف العنصر الوطني إحدى ركائز تلك المسؤولية وربط مطلب توطين الوظائف في بوتقة المسؤولية الاجتماعية للشركات وغرف التجارة والصناعة في دول مجلس التعاون مع الوزارات والبرامج الحكومية المعنية والعمل على إيجاد قالب مؤسسي من قادة الأعمال وغرف التجارة والصناعة يقوم بمتابعة طلبات التوظيف والوظائف الشاغرة بإيجاد قاعدة للبيانات عن انجازات التوطين وخصائص الوظائف الموطنة وشاغليها فضلا عن الوظائف الشاغرة سيما الوسطى والتي يمكن للعناصر الوطنية المؤهلة شغلها وفق برنامج زمني وتدريبي محدد.
وطالبت بأن يتم وضع خطة عمل وتدريب لكافة موظفي الدولة تهدف إلى الارتقاء بإنتاجيتهم وان يكون الجزاء من صنف العمل بمعنى أن يكون الترقي الوظيفي والعلاوات والأجور وخلافه مرتبطا بمعايير واضحة وموضوعية لأداء الموظف الحكومي.
ويرتبط بهذا جعل هيكل الأجور مرتبطا بالجهد والناتج وبشكل فعال بحيث تكون المفاضلة في الاختيار والترشيح للدورات والزيادات السنوية مرتبطة بمدى جهد الموظف، مقاسا بساعات العمل الفعلية والإضافية، وبمدى درجة تميزه وإضافته إلى الناتج.
